بلانكا تيڤي
بقلم جمال الدين بوقار،
خبير في نمو وتطوير المقاولات الصغرى والمتوسطة
يشكل حجم الاستثمار العمومي في المغرب، الذي يبلغ حوالي 380 مليار درهم سنة 2026، مؤشرا قويا على الدينامية التي تسعى الدولة إلى ترسيخها في مسار التنمية الاقتصادية والاجتماعية. غير أن هذا الجهد المالي الكبير لا يواكبه نفس الأثر على مستوى التشغيل، حيث لا يزال معدل البطالة في حدود 13%، مع ارتفاع مقلق في صفوف الشباب يتجاوز 35%. وهو ما يطرح بإلحاح سؤال النجاعة وليس فقط حجم الإنفاق.
إن الإشكال اليوم لا يكمن في ضعف الاستثمار، بل في طبيعة توجيهه ومدى قدرته على التحول إلى فرص شغل مستدامة. فجزء مهم من هذه الاستثمارات يظل موجها إلى قطاعات كثيفة الرأسمال، وعلى رأسها البنيات التحتية الكبرى، التي رغم أهميتها الاستراتيجية في تحسين تنافسية الاقتصاد الوطني، فإن أثرها المباشر على التشغيل يبقى محدودا ومؤقتا.
لقد أبانت التجربة أن النمو الاقتصادي لا يؤدي بالضرورة إلى خلق فرص الشغل، خاصة عندما لا يكون مصحوبا بسياسات موازية تضمن الالتقائية بين الاستثمار، والتكوين، وحاجيات سوق العمل. وهنا تتجلى إحدى أبرز الاختلالات البنيوية في النموذج التنموي، حيث تستمر الفجوة بين مخرجات منظومة التكوين ومتطلبات المقاولات، مما يعيق الإدماج المهني لفئات واسعة من الشباب.
من جهة أخرى، لا تزال المقاولات الصغرى والمتوسطة، التي تشكل العمود الفقري لأي اقتصاد منتج ومشغل، تعاني من عدة إكراهات تحد من قدرتها على النمو وخلق فرص الشغل. من أبرز هذه التحديات صعوبة الولوج إلى التمويل، وتعقيد المساطر الإدارية، وضعف المواكبة والدعم التقني، وهو ما يجعل مساهمتها في التشغيل دون الإمكانات المتاحة.
إن الرهان اليوم يفرض إعادة توجيه الاستثمار العمومي نحو قطاعات أكثر قدرة على خلق القيمة المضافة والتشغيل، مع إعطاء أولوية حقيقية للاقتصاد المحلي والمبادرات المقاولاتية. كما يتطلب الأمر إرساء آليات واضحة لربط الاستثمار بخلق فرص الشغل، عبر تحفيز المقاولات المنتجة لفرص العمل، وإدماج معايير التشغيل ضمن السياسات العمومية والصفقات العمومية.
وفي نفس السياق، يصبح إصلاح منظومة التكوين ضرورة ملحة، من خلال تعزيز التكوين المهني وربطه بشكل مباشر بحاجيات السوق، مع إشراك الفاعلين الاقتصاديين في بلورة البرامج التكوينية، بما يضمن ملاءمة أفضل بين العرض والطلب في سوق الشغل.
إن تحقيق الإقلاع الاقتصادي الحقيقي لا يقاس فقط بمعدلات النمو أو بحجم الاستثمارات، بل بمدى قدرة هذا النمو على تحسين مستوى عيش المواطنين وخلق فرص الشغل، خاصة لفئة الشباب. لذلك، فإن المرحلة المقبلة تقتضي تحولا نوعيا في فلسفة الاستثمار، يقوم على جعل التشغيل في صلب السياسات العمومية، وليس مجرد نتيجة عرضية لها.


