يستعد مجلس مدينة الدار البيضاء في دورته الاستثنائية ليوم الجمعة المقبل لتمديد عقد تدبيره المفوض للمنطقة الثالثة، وحسم نتائج المناطق 1، 2 و4.
وفي سياق اجتماعات اللجان الدائمة تتناسل العديد من الأسئلة التي تطوق ملف النظافة منذ انطلاقه والتي شكلت موضوع تحقيقات صحفية متعددة لمطاردة الحقيقة الضائعة في أكبر صفقة نظافة بالمغرب. المنتخبون مطالبون برفع الأيادي يوم الجمعة من أجل إقرار3 عقود ستُلزم المدينة وساكنتها بنفقات تمتد على مدى ثماني سنوات بكلفة مالية غير مسبوقة، في ظل الهفوات التقنية والإدارية التي شابت العملية، والتي تسببت في اتهامات مباشرة للعقد الجديد بعدم شفافيته ومصداقية حكامته، بالنظر لبروز منافس وحيد في المنطقتين 1و2 وانهيار عقد المنطقة 3 واسناد المنطقة 4 إلى أضعف عرض تقني في العقد.
وتتطاير الأسئلة التي ستطوق أمانة مهندسي ومدبري هذا العقد، انطلاقا من القلق بشأن استمرارية الخدمة في المنطقتين 1و3 المنتهية عقودها (كما يعلم الجميع) يوم 20 يونيو الجاري وهو ما يضع المجلس أمام سؤال عملي لا يقلّ أهمية عن الأسئلة القانونية. ناهيك عن "زيادة الطين بلة" بتاريخ 30 يونيو الجاري وهو موعد انتهاء عقود المنطقتين 2 و4. فهل الجماعة قادرة على ضمان انطلاق العقود الجديدة في آجالها؟ وهل المدة المتبقية كافية لإنجاز عملية التسليم
بين المفو ض إليهم الجدد والقدامى؟
لعل أصغر مختص أو متتبع للتدبير المفوض، يعلم جيدا أن عملية انتقالية بهذا الحجم لا تقتصر على توقيع العقود، بل تشمل الحفاظ على مصالح المستخدمين العاملين في القطاع، وضمان النقل الفعلي للخدمة والآليات دون انقطاع
أولا إلى الجماعة قبل تسليمها في مرحلة ثانية بعد ذلك للوافدين الجدد. فأي تعثّر في هذه المرحلة يتسبب مباشرة في تراكم النفايات في الشوارع وبروز شبح النقط السوداء من جديد وبالتالي العودة إلى الأزمة السيئة الذكر.
وتظهر في المنطقة الثالثة المستعصية على الحل والعقد مفارقة غريبة تجبر الأعضاء على التساؤل، كيف تم تجاهل العرض المالي المقدم من طرف شركة "أرما" الذي لم يتجاوز 1 في المائة في مواجهة عرض ميكومار الذي كان مبالغا فيه بفارق 10 مليار سنتيم عن العرض المنافس، مقابل إسناد المنطقة 1و2 بعروض مالية مرتفعة بسبب غياب المنافسة. ألم يكن من الأفضل إعادة طلب عروض المنطقة الأغلى وخطف العرض المنخفض في المنطقة 3، بذلا من إعطاء فرصة جديدة للشركات بتقديم عروض في المنطقة المذكورة حتما ستتجاوز نسبة 1% التي قدمتها أرما. فأين هي الحكامة المالية في العقد الجديد.
أما في المنطقة 4 ، فقد قدّمت كل من "إس أو إس" و"آرما" عرضين تخطّيا التقديرات بحوالي 50%، وهو ما سينهك ميزانية الجماعة، حيث كان من الأجدرماليا هو اعتماد "آرما" في المنطقتين 1و3 بفعل العروض المالية المقدمة، وإعادة طرح المنطقتين 2و4 لطلب عروض جديد يراعي القدرة المالية للجماعة.
فكيف بررت اللجنة، إذن، اعتماد تركيبة المنطقتين الأولى والثانية واستبعاد المنطقة الثالثة؟ ولماذا تتجه هذه الأخيرة نحو التمديد بملحق لمدة ستة أشهر بدل إسنادها، في حين أن المتصدّر فيها قدّم العرض الأقرب إلى التقدير الأولي؟
وهل تبخر وعد الترشيد المالي في ميزانية النظافة، الذي رفعته العمدة ونائبها في القطاع وصفق له المجلس، بحسن نية أو بدونها، بالإجماع؟ هل غيرت العقود الجديدة في نظافة الدار البيضاء نبرة الخطاب الرسمي وجدوى الدراسة بأن ميزانية النظافة لن تتجاوز 1مليار درهم سنويا؟
البيضاويون كانوا ينتظرون من ساستهم المحليين تخفيض ميزانية نظافة مدينتهم بنسبة 27%، قبل أن يصدمهم واقع الصفقة الجديدة برقم قياسي جديد يتجاوز 1,5مليار درهم.
والإشكال هنا ليس محصورا فقط في الأرقام وحدها، بل في المنطق والمعايير المعتمدة في العقد. فجميع متطلبات دفتر التحملات، بما فيها المستجدات (رفع الكنس إلى سبعة أيام في الأسبوع، وجمع نفايات البناء والهدم، وغيرها)، التي كانت معروفة سلفا وتم تقديرها ماليا من طرف مكتب الدراسات قبل طلب العروض، فلماذا هذا الارتفاع المهول والمنهك؟ ألسنا اليوم أمام أمام دراسة جدوى لم تُنجز على الوجه المطلوب؟ وأمام وعد سياسي لم يُحترم؟ وأمام عروض تقنية ومالية مشبوه وتستوجب التحقيق من كل المؤسسات الرقابية والقضائية؟
في هذا السياق المليء بالغموض والتردد المقلق، تنعقد الدورة الاستثنائية لمجلس مدينة الدار البيضاء للنظر في أحد العقود المعقدة للتدبير المفوض في النظافة بالمغرب، وسط سيل من الأسئلة المحرجة لنزاهة هذه الصفقة، وعلى كف دعوة أعضاء اللجن والمجلس المطوقين بأمانة تمثيل البيضاويين والحفاظ على مالهم العام، بأن يصوتوا عن بيّنة لا عن مبايعة.. ولو بالعودة، من باب أضعف الإيمان، إلى المرحلة التقنية للوقوف على معايير تقييم جميع المقاولات في هذه المرحلة التي تحظى بنسبة 60 في المائة في عملية التنقيط، وللوقوف على بعض مظاهر التسامح والتنازل مع البعض على حساب البعض لتحسيين هوامش العروض المالية التي تزعزع اركان الميزانية العامة لنظافة العاصمة الاقتصادية الآن.


