ذ/ عبد اللطيف أيت بوجبير
يشكل صدور القانون المنظم لمهنة المحاماة بالجريدة الرسمية ونفاذه الفوري لحظة فارقة في تاريخ الممارسة المهنية؛ لحظة تنقل الجسم المهني من مرحلة التدافع حول "*مشاريع القوانين*" إلى واقع التعامل مع "*نص نافذ ومكتمل الأركان*". وإن كان هذا الصدور قد أحدث صدمة مشهودة في صفوف القواعد المهنية، فإن القراءة الهادئة والمسؤولة للحدث تقتضي التمييز الصارم بين الانفعال العابر والتحليل المؤسساتي الناجح.
*أولا: المسؤولية الأخلاقية والتنظيمية لمكتب الجمعية:*
إن المطالبة باستقالة مكتب الجمعية في هذا التوقيت الحرج لا ينبغي أن تُفهم على أنها خيار استسلامي أو إعلان عن الهزيمة أمام السلطة التشريعية، بل هي تفعيل لمبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة؛ ذلك أن تدبير هذا الملف شابه الاعتماد المفرط على حسن النية، وتغليب منطق "*الكتمان*" والتفاوض المغلق على حساب الإشراك الفعلي للقواعد والشفافية التامة.
- *فشل المقاربة التفاوضية*: أثبتت التجربة أن إدارة المعارك المصيرية بعقلية التقليد المؤسساتي لم تعد كافية لمواجهة سياسة فرض الأمر الواقع.
- *المسؤولية السياسية*: إن الاستقالة ليست مجرد احتجاج على نشر القانون، بل هي اعتراف شجاع بفشل خطة التدبير، وخطوة أولى ضرورية لحفظ ماء وجه المؤسسة وإعادة بناء الثقة بين القواعد والقيادة.
*ثانيا: التكييف القانوني والدستوري لمرحلة ما بعد النشر:*
أصبح النص حقيقة قانونية موجبة للإعمال طبقا لقواعد النفاذ والأنظمة الإجرائية، مما يستوجب تعاطيا يتسم بالرصانة والالتزام بالضوابط الدستورية:
- *دقة التكييف الإجرائي*: حذر العديد من الزملاء محقين من الانزلاق نحو أشكال احتجاجية قد تضع المحامي في مواجهة مباشرة مع النصوص الزجرية أو التأديبية؛ فالرسالة النضالية لأصحاب الرداء الأسود يجب أن تبنى دوما تحت سقف "*المشروعية*".
- *الخيارات الدستورية المتاحة*: إن نشر النص في الجريدة الرسمية ينهي المسار التشريعي العادي، لكنه يفتح باب النضال الدستوري والقضائي، سواء عبر الدفع بعدم دستورية القوانين وفق الشروط المتطلبة، أو عبر المطالبة بمراجعات تشريعية مستقبلا تضمن الحقوق المكتسبة للمتقاضين وللدفاع.
*ثالثا: خريطة طريق لتأهيل البيت الداخلي واستكمال المعركة*:
إن الانتقال بالمعركة المهنية من مرحلة امتصاص صدمة النشر إلى مرحلة الاستدراك والفاعلية يمر حتماً عبر مراجعة شاملة لأساليب الأدوات والقيادة، وذلك وفق محوري التأهيل التاليين:
- *تجديد الهياكل وإعادة بناء المؤسسات*: يتطلب تجاوز هذه الأزمة صياغة رؤية استراتيجية متكاملة تقوم في مقامها الأول على إعادة بناء المؤسسات المهنية وفق قواعد الشفافية والحكامة، وضخ دماء جديدة قادرة على الترافع الاستباقي وإنتاج قيادات مؤهلة تعبر بصدق عن تطلعات القواعد المهنية وتصون هيبة الرداء الأسود.
- *تطوير العمل الاحتجاجي وتحقيق التلاحم*: يرتبط استكمال المعركة بتطوير أشكال نضالية نوعية ومتدرجة تنتقل بالعمل الاحتجاجي من العفوية والقرارات الانفعالية إلى خيارات مدروسة، بالتوازي مع رأب الصدع ونبذ الانقسامات الداخلية؛ وذلك للتأسيس لجبهة صلبة تتعاطى مع الواقع الجديد برصانة وعقلانية وتعتمد التريث ودراسة الخيارات المتاحة بدلاً من التسرع.
إن خسران جولة تشريعية نتيجة أخطاء التدبير لا يعني بحال من الأحوال خسران قضية استقلالية المحاماة. فالمحاماة كانت وستظل مهنة المواجهة بالكلمة والقانون، والبداية الصحيحة لاستعادة المبادرة تبدأ من شجاعة التقييم، وتأهيل الهياكل، والالتفاف حول مؤسسات قوية قادرة على التعبير عن تطلعات المحاميات والمحامين.


