الأستاذة مليكة حفيظ: قاضية سابقا ورئيسة غرفة بمحكمة النقض ودكتورة في الحقوق
«والصلح خير»… ليست هذه العبارة مجرد قيمة أخلاقية، وإنما تختزل فلسفة عميقة في تدبير الخصومات؛ فلسفة تقوم على الحوار والتوافق وجبر الضرر وحماية العلاقات، بدل أن يتحول كل خلاف إلى نزاع قضائي طويل.
والصلح ليس مستجدًا في ثقافتنا؛ فقد عرفه الفقه الإسلامي، وحضر في الأعراف المغربية من خلال تدخل العائلة والأعيان والوجهاء والعلماء لإخماد الخصومات والحفاظ على الروابط الاجتماعية. ثم انتقل من قيمته الدينية والأخلاقية والاجتماعية إلى مؤسسة قانونية أخذ المشرّع المغربي ينظمها في مجالات متعددة.
ومن هنا يطرح السؤال: هل أصبح الصلح بالفعل ثقافة راسخة في منظومة العدالة، أم ما زال في بعض الحالات مجرد إجراء ينص عليه القانون دون أن تتوافر له دائمًا شروط النجاح؟
الصلح في الأسرة... إنقاذ العلاقة قبل إنهاء الخصومة
في المادة الأسرية، يحتل الصلح مكانة خاصة، لأن النزاع لا يتعلق فقط بحقوق والتزامات قانونية، وإنما بعلاقات إنسانية قد تستمر آثارها بعد انتهاء الدعوى.
لذلك جعلت مدونة الأسرة لمحاولة الإصلاح مكانة مهمة، خصوصًا في النزاعات الزوجية، حيث لا يكون الهدف مجرد حسم الخصومة، وإنما البحث، متى كان ذلك ممكنًا، عن إمكانية استمرار الأسرة.
فالصلح الأسري الناجح لا ينهي النزاع فقط، بل قد يحافظ على الأسرة من آثاره.
الصلح في الشغل... من محاولة التوافق إلى اتفاق ملزم
في منازعات الشغل، تبرز قيمة الصلح بصورة خاصة، بالنظر إلى خصوصية العلاقة بين الأجير والمشغل، وحرص التشريع على تسوية النزاع قبل أن يتحول إلى خصومة قضائية.
وتضطلع مفتشية الشغل بدور أساسي في محاولة التصالح بين الطرفين، فإذا توصلا إلى اتفاق مستوفٍ لشروطه القانونية وتم توثيقه وفق المقتضيات المنظمة له، ترتبت عليه آثاره القانونية، وأصبح الاتفاق إطارًا ملزمًا للطرفين في حدود ما يسمح به القانون.
وقد عزز قانون المسطرة المدنية الجديد هذا التوجه من خلال تنظيم الصلح التمهيدي في نزاعات الشغل، بما يؤكد أن المرور من مرحلة التوافق قد يسبق اللجوء إلى القضاء في الحالات التي حددها القانون.
كما أن المحكمة نفسها تضطلع بدور في محاولة الصلح في بداية النظر في النزاع، وهو ما يعكس تحولًا مهمًا في وظيفة القضاء: فالقاضي ليس فقط من يفصل في الخصومة، وإنما يمكنه أيضًا أن يساعد الأطراف على إنهائها بالتراضي متى كان ذلك ممكنًا ومشروعًا.
وهنا ينبغي التأكيد على مسألة أساسية: إلزامية المرور بمحاولة الصلح لا تعني إلزام الأطراف بقبول الصلح؛ فالصلح الحقيقي لا يقوم إلا على رضا حر ومستَنير.
الصلح في حوادث الشغل وحوادث السير... جبر الضرر بدل إطالة الخصومة
في حوادث الشغل والأمراض المهنية، نظم المشرّع مساطر خاصة للتسوية، بالنظر إلى حاجة المصاب أو ذوي حقوقه إلى الوصول إلى التعويض في إطار قانوني يضمن حقوقهم.
وفي حوادث السير، يمكن للصلح أن يؤدي دورًا مهمًا في تسريع تسوية الأضرار والتعويض عنها، وتفادي مساطر قد تمتد لسنوات.
غير أن نجاح الصلح في هذه المجالات يفترض ضمان توازن المراكز القانونية، ووضوح الحقوق، وعدم استغلال حاجة المتضرر إلى التعويض للتأثير في إرادته.
الصلح في المادة التجارية... حماية العلاقة الاقتصادية
في المجال التجاري، لا تكون قيمة الصلح في إنهاء النزاع فقط، بل في إمكانية الحفاظ على العلاقة التجارية واستمرارية المقاولة.
فقد يكون إنهاء النزاع بالتوافق أكثر فائدة للطرفين من حكم ينهي الخصومة، لكنه قد ينهي في الوقت نفسه علاقة تجارية كانت قابلة للاستمرار.
ومن هنا يصبح الصلح وسيلة لحماية الثقة والاستقرار في المعاملات، وليس مجرد وسيلة لتقليص عدد الملفات أمام المحاكم.
الصلح في المادة العقارية... استقرار الحقوق قبل استدامة النزاع
للمنازعات العقارية خصوصية، بالنظر إلى ارتباط العقار بالاستقرار الاقتصادي والاجتماعي والأسري.
ومن ثم يمكن للصلح أن يؤدي دورًا مهمًا في وضع حد لنزاعات قد تستمر لسنوات، متى تم الاتفاق في إطار يحترم الحقوق والشروط القانونية ويحقق استقرار المعاملات.
الصلح الجنائي... خطوة نحو عدالة أكثر تصالحًا
في المادة الجنائية، أخذ الصلح أبعادًا جديدة مع التطور التشريعي الأخير، الذي عزز مكانة هذه الآلية في الحالات التي يسمح فيها القانون بها.
وتبرز هنا أهمية دور النيابة العامة في تفعيل الصلح قبل تحريك الدعوى العمومية، وفق الشروط والإجراءات القانونية، بما يسمح في بعض القضايا بجبر الضرر وإنهاء النزاع دون المرور بالمسار القضائي الكامل.
وقد عزز رئيس النيابة العامة هذا التوجه من خلال دورية وجهها إلى المسؤولين القضائيين بالنيابات العامة، داعيًا إلى تفعيل مسطرة الصلح باعتبارها آلية قانونية بديلة عن الدعوى العمومية في الحالات التي تتوافر فيها شروطها.
وهنا لا بد من التمييز بين الصلح الجنائي كمسطرة قانونية منظمة وبين مجرد التنازل عن الشكاية؛ فلكل منهما شروطه وآثاره القانونية.
من النص إلى الواقع... هل تكفي النصوص لصناعة ثقافة الصلح؟
هنا، في تقديري، تكمن المسألة الأساسية.
لقد أصبح الصلح حاضرًا في عدد مهم من النصوص القانونية، لكن التنصيص على الصلح شيء، وتحويله إلى ممارسة فعالة شيء آخر.
فالصلح يحتاج إلى أكثر من نص قانوني؛ يحتاج إلى مصلحين ووسطاء مؤهلين، وتكوين متخصص، وفضاءات ملائمة تحفظ الخصوصية والسرية، ووقت كافٍ للاستماع والحوار، وإجراءات واضحة وسريعة، وآليات لتتبع تنفيذ الاتفاقات.
وفي بعض المجالات، لا يكفي أن نطلب من القاضي أو مفتش الشغل أو أي متدخل آخر أن يقوم بمحاولة الصلح، إذا لم تتوافر له الأدوات والظروف والتكوين الذي يمكنه من القيام بهذه المهمة على الوجه المطلوب.
كما أن ثقافة الصلح نفسها تحتاج إلى ترسيخ لدى المواطن والمحامي والقاضي وباقي المتدخلين؛ لأن الصلح لا ينجح إذا ظل ينظر إليه باعتباره تنازلًا أو علامة ضعف.
فالصلح ليس مجرد مرحلة في المسطرة، وإنما هو مهارة وثقافة ومؤسسة.
ولهذا فإن الرهان الحقيقي اليوم ليس فقط في إصدار نصوص جديدة حول الصلح، وإنما في بناء منظومة متكاملة للعدالة التصالحية: تكوين المصلحين، توفير الفضاءات المناسبة، ضمان استقلال وحياد المتدخلين، حماية الطرف الضعيف، وضمان تنفيذ الاتفاقات.
خاتمة: حين يصبح الصلح صناعة للعدالة
إن تعدد مجالات الصلح في التشريع المغربي، من الأسرة إلى الشغل، ومن حوادث الشغل والسير إلى التجارة والعقار، وصولًا إلى المادة الجنائية، يعكس إرادة تشريعية واضحة في فتح المجال أمام الحلول التوافقية.
لكن نجاح هذه الإرادة لا يقاس بعدد المواد القانونية التي تتحدث عن الصلح، وإنما بعدد النزاعات التي أمكن حلها فعليًا، وبالحقوق التي تم حفظها، والعلاقات التي أمكن إنقاذها، والخصومات التي لم تصل أصلًا إلى قاعات المحاكم.
فالقضاء يملك سلطة إنهاء النزاع بحكم، أما الصلح فيمنح الأطراف فرصة أن يكونوا هم صُنّاع الحل.
ولذلك، فإن «الصلح خير» لا ينبغي أن تبقى مجرد عبارة جميلة، وإنما ينبغي أن تتحول إلى ثقافة عدالة، وإلى ممارسة مؤسساتية، وإلى خيار حقيقي يسبق الخصومة كلما كان القانون والحق والرضا يسمحون بذلك.


