عاشت العاصمة الاقتصادية، في الفترة الممتدة من 4 إلى 9 يوليوز، على إيقاع فعاليات الدورة الثامنة والثلاثين للمهرجان الدولي للمسرح الجامعي للدار البيضاء، الذي تنظمه كلية الآداب والعلوم الإنسانية بنمسيك التابعة لجامعة الحسن الثاني. وشكل حفل اختتام هذا المحفل الثقافي العريق، الذي أقيم تحت الرعاية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، مناسبة للاحتفاء بستة أيام من العطاء المسرحي، والورشات التكوينية، والندوات العلمية التي تمحورت حول "المسرح والحياة المشتركة"، مؤكدا من جديد دور الجامعة المغربية كمنارة للدبلوماسية الثقافية الموازية.
وتحت شعار "المسرح الجامعي فضاء لتفاعل شباب المتوسط الأطلسي نحو دينامية ثقافية عابرة للحدود"، تحولت خشبات الدار البيضاء إلى ملتقى إنساني وتعبيري فريد، جمع كوكبة من الطلبة والفنانين المبدعين من إسبانيا (ضيفة شرف الدورة)، إيطاليا، أرمينيا، مصر، تونس، فضلا عن المغرب البلد المحتضن. لقد تقاسم الشباب المشاركون مرجعياتهم ورؤاهم الإبداعية، مؤكدين أن لغة الفن قادرة على تكسير كل الحواجز اللغوية والجغرافية وصناعة الصداقات الحقيقية، وهو ما لخصته بعبقرية شهادة أحد رؤساء الوفود الأجنبية حين قال "إن المهرجان شكل نقطة تحول فاصلة في حياة طلابه بين ما قبل المهرجان وما بعده".
وفي كلمتها الختامية، أكدت الأستاذة ليلى مزيان، عميدة الكلية ورئيسة المهرجان، على ضرورة حماية وتثمين هذا الإرث الثقافي الضخم الذي تأسس منذ عام 1988 بفضل رؤية المؤسس الأستاذ حسن الصميلي. كما ربطت بين هذا الإشعاع الفني وبين الطموحات والتحولات الكبرى التي يشهدها المغرب، ولا سيما الاستعدادات الجارية لاحتضان كأس العالم 2030، مشددة على أن البناء الحقيقي للمستقبل ولقاء العالم يبدأ بالاستثمار في الرأسمال البشري والثقافي، وتقديم الوجه الحضاري والتعددي المشرق للمملكة.
وعلى الصعيد التنافسي، شهدت هذه الدورة تقديم أحد عشر عرضا مسرحيا متميزا، خضعت لتقييم دقيق من لجنة تحكيم وازنة برئاسة الدكتور علي محمد هادي الربيعي من العراق، وعضوية كل من الفنان هشام بهلول، والمبدع إدريس الجاي، والناقد رشيد الإدريسي. وجاءت النتائج الرسمية لتعكس التنوع الجمالي الحاضر؛ حيث توجت مسرحية "مدرسة الزوجات" لجامعة سابينزا الإيطالية بالجائزة الكبرى للدورة، ونالت مسرحية "أصحاب الأرض" لجامعة بنها المصرية جائزة لجنة التحكيم، بينما آلت جائزة الإخراج للعرض الأرميني "متاهة السناجب". وتقاسمت جائزة أفضل ممثلة الإسبانية مونيكا هويوس والمصرية عايدة الكردي، في حين نال الإسباني أوليسيس مارتين جائزة أفضل ممثل.
واختتم المهرجان فعالياته وسط مواكبة إعلامية رقمية ووطنية مكثفة، جعلت من هذا الإشعاع الثقافي حدثا حيا داخل القاعات وخارجها وشريكا في صيانة ذاكرته. ومع انطفاء أضواء الخشبة، لا ينتهي الأثر بل يفتح فصلا جديدا من التطلع نحو الدورة التاسعة والثلاثين، مؤكدا أن المهرجانات الكبرى تستمر بما تبنيه في نفوس أجيال المستقبل وبإيمانها الراسخ بأن الثقافة هي الجسر الأجمل والأبهى نحو غد أفضل.


