الأستاذة مليكة حفيظ
قاضية سابقًا و رئيسة غرفة بمحكمة النقض ودكتورة في الحقوق
القاضي لا يحتاج إلى من يزكيه... وأخطر ما يحيط باستقلال القضاء أحياناً هو التملق، فالمسألة في تقديري تتجاوز مجرد الاختلاف حول أسلوب الكتابة عن القاضي، لتلامس سؤالاً أعمق يتعلق باستقلال القضاء وهيبته وأخلاقيات التعامل مع المؤسسة القضائية.
فالقاضي ليس شخصية عامة بالمعنى الذي يبرر تحويل حياته المهنية أو صفاته الشخصية إلى مادة للمديح والتزكية. ومن حق الصحافة والباحثين والمهتمين بالشأن القضائي أن يكتبوا عن القضاء وأن يناقشوا الأحكام والقرارات والتوجهات القضائية، بل إن ذلك ضروري في مجتمع يؤمن بالشفافية والنقاش العمومي. لكن هناك فرقاً كبيراً بين النقد والتحليل والتعريف بالمسار المهني، وبين صناعة صورة مثالية لشخص القاضي، والإفراط في الحديث عن نزاهته وأخلاقه واستقلاله وكفاءته، وكأن هذه الصفات تحتاج إلى شهادة من الخارج.
القاضي لا ترفعه المقالات، ولا تمنحه عبارات المديح هيبته، ولا تصنع له النزاهة شهادات الآخرين.
القاضي ترفعه أحكامه، وتكشف نزاهته ممارسته، وتثبت استقلاله مواقفه، وتصنع هيبته عدالته.
ولهذا، فإنني أرى أن الكتابة عن القضاة تستوجب قدراً مضاعفاً من التحفظ والمسؤولية، ليس خوفاً من القاضي، وإنما احتراماً للمؤسسة التي يمثلها.
والأخطر من ذلك أن يتحول المدح إلى وسيلة للتقرب، أو إلى محاولة لصناعة علاقة خاصة بين الكاتب والقاضي، أو إلى إيصال رسالة ضمنية بأن هذا القاضي محل تقدير أو تزكية من جهة معينة.
هنا يصبح الأمر أكثر من مجرد كلام جميل.
فحين يكثر التملق حول القاضي، فإن الخطر لا يقع على القاضي وحده، وإنما يقع على صورة العدالة نفسها؛ لأن القاضي ينبغي أن يبقى بعيداً عن كل ما قد يوحي بوجود علاقات خاصة أو مصالح أو تأثيرات متبادلة.
ولذلك، فإنني لا أعتقد أن السؤال الحقيقي هو: هل استُؤذن القاضي قبل الكتابة عنه؟
فقد لا يكون الاستئذان مطلوباً أصلاً متى تعلق الأمر بعمل عام أو بمسار مهني أو بموضوع يهم الرأي العام.
لكن السؤال الأهم هو: لماذا كُتب عنه؟ وماذا كُتب عنه؟ ولماذا في هذا التوقيت؟
وهل كانت الغاية هي النقاش الموضوعي، أم صناعة صورة شخصية، أم التقرب، أم التزكية؟
هذه أسئلة مشروعة، لأن استقلال القضاء لا يُهدد فقط بالتدخل المباشر في عمل القاضي، وإنما قد يُمس أيضاً بالمحيط الذي يُراد للقاضي أن يتحرك داخله.
ثم إن القاضي، بحكم موقعه، ليس في حاجة إلى من يقول للناس إنه نزيه أو مستقل أو كفء.
فإذا كان نزيهاً، فستتكلم نزاهته، وإذا كان مستقلاً، فستتكلم أحكامه، وإذا كان كفؤاً، فسيشهد له عمله.
وإذا كان جديراً بالثقة، فسيمنحه المجتمع هذه الثقة من خلال ما يراه من أدائه، لا من خلال ما يقرأه من عبارات المديح.
أما أن يصبح القاضي موضوعاً للمديح الشخصي المتكرر، وأن تُكتب عنه عبارات التزكية والثناء وكأنها شهادات حسن السيرة والسلوك، فذلك في رأيي لا يخدم القضاء، بل قد يسيء إليه دون أن يشعر صاحبه.
بل إنني أذهب أبعد من ذلك: إذا ثبت أن المدح والتقرب من القضاة يُستعملان بقصد التأثير عليهم أو استمالتهم أو خلق علاقة خاصة معهم، فإن الأمر لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره مجرد مجاملة اجتماعية بريئة، وإنما ينبغي أن يُبحث من زاوية أخلاقيات المهنة واستقلال القضاء، بل والمسؤولية القانونية متى توافرت شروطها.
فالاستقلال لا يعني فقط ألا يأمر أحد القاضي بما يحكم به، الاستقلال يعني أيضاً ألا يشعر القاضي بأنه مدين لأحد بشيء، وألا يشعر أحد بأنه يستطيع أن يؤثر فيه لأنه امتدحه أو قربه أو صنع له صورة عامة.
وهنا تكمن مسؤولية الصحافة والكتاب والحقوقيين وكل من يكتب عن القضاء:
اكتبوا عن الأحكام، ناقشوا الاجتهادات، حللوا القوانين، انتقدوا المؤسسات، اختلفوا مع القضاة متى كان الاختلاف علمياً ومشروعاً... لكن اتركوا للقاضي شيئاً واحداً: أن تتحدث أعماله عنه، فالعدالة لا تحتاج إلى التملق، والقاضي لا يحتاج إلى التزكية.
وهيبة القضاء لا تُصنع بالكلمات، وإنما يصنعها قضاء مستقل، وقاضٍ نزيه، وحكم عادل، ومؤسسة لا تسمح لأحد بأن يجعل من القاضي موضوعاً للمجاملة أو وسيلة للتقرب.
وهذه ليست قسوة على القاضي، وإنما هي في الحقيقة أعلى درجات الاحترام له وللمؤسسة التي ينتمي إليها.


