الأستاذة مليكة حفيظ قاضية سابقاً ورئيسة غرفة بمحكمة النقض ودكتورة في الحقوق
الاستدعاء للمحكمة :
«اعرف لماذا يتم استدعاؤك»...هل يكفي التنصيص دون ضمان فعالية التطبيق؟
مقال الدعوى ضمانة لحق الدفاع، فأين الجزاء؟
دخل القانون رقم 58.25 المتعلق بالمسطرة المدنية حيز التنفيذ في 24 غشت 2026، حاملاً معه عدداً من المستجدات التي تمس بشكل مباشر حقوق المتقاضين وضمانات المحاكمة العادلة. ومن بين هذه المستجدات ما جاءت به المادة 84 بشأن الاستدعاء القضائي وإرفاقه بنسخة من مقال الدعوى.
وهنا يطرح سؤال جدير بالتأمل:
هل يكفي أن يقرر المشرع حقاً إجرائياً دون أن يحدد بوضوح الجزاء المترتب عن الإخلال به؟
أولاً: من صياغة الفصل 38 القديم إلى التنصيص الصريح على مقال الدعوى في القانون الجديد
كان الفصل 38 من قانون المسطرة المدنية السابق ينص على أن الاستدعاء يوجه إلى الأطراف، وأنه «يسلم الاستدعاء مرفقاً بالوثائق»، دون أن يحدد في هذه العبارة على وجه التخصيص أن من بين الوثائق الواجب إرفاقها نسخة من مقال الدعوى.
وقد كانت هذه الصياغة تثير، من الناحية العملية، مسألة تحديد الوثائق التي يتعين أن يتوصل بها المدعى عليه رفقة الاستدعاء، وما إذا كان مقال الدعوى يدخل صراحة ضمنها باعتباره الوثيقة التي تتضمن موضوع الدعوى ووقائعها وطلبات المدعي.
أما قانون المسطرة المدنية الجديد رقم 58.25، فقد جاء بصياغة أكثر دقة ووضوحاً، إذ نصت المادة 84 صراحة على أن:
«يسلم الاستدعاء مرفقاً بنسخة من مقال الدعوى...»
وبذلك انتقل المشرع من صياغة عامة تتحدث عن الاستدعاء والوثائق المرفقة به، إلى تحديد صريح وواضح لوثيقة أساسية بعينها، هي نسخة مقال الدعوى.
وهذا المستجد ليس مجرد تغيير في الصياغة، وإنما يحمل دلالة إجرائية مهمة، لأن مقال الدعوى هو الذي يمكّن المدعى عليه من الوقوف على حقيقة النزاع، ومعرفة الوقائع والطلبات الموجهة إليه، وبالتالي الاستعداد لممارسة حقه في الدفاع على أساس من العلم بمضمون الدعوى.
ومن ثم، فإن المادة 84 تكون قد وضعت حداً لأي غموض يمكن أن يثار بشأن ضرورة تمكين المدعى عليه من نسخة من مقال الدعوى منذ مرحلة استدعائه لأول مرة أمام القضاء.
غير أن هذا الوضوح التشريعي يقودنا مباشرة إلى سؤال آخر لا يقل أهمية:
إذا كان المشرع قد جعل إرفاق نسخة من مقال الدعوى واجباً صريحاً، فما هو الجزاء المترتب عن الإخلال بهذا الواجب؟
ثانياً: لماذا يشكل إرفاق مقال الدعوى ضمانة لحقوق الدفاع؟
إن التبليغ القضائي لا ينبغي النظر إليه باعتباره مجرد إجراء تقني لإخبار الشخص بوجود جلسة.
فالتبليغ هو البوابة الأولى لممارسة حق الدفاع.
فكيف يمكن لشخص أن يعد دفاعه، أو يستعين بمحام، أو يقدم دفوعه ومستنداته، إذا كان يعلم فقط أنه مطلوب منه الحضور أمام المحكمة دون أن يعرف على وجه الدقة:
من يقاضيه؟
ما موضوع الدعوى؟
ما الوقائع التي يستند إليها خصمه؟
وما هي الطلبات الموجهة ضده؟
من هنا تبرز أهمية المستجد التشريعي؛ فإرفاق نسخة من المقال يجعل المتقاضي ينتقل من مجرد العلم بوجود دعوى إلى العلم الحقيقي بموضوعها ومضمونها.
وهو ما ينسجم مع فلسفة المحاكمة العادلة ومبدأ المواجهة وتكافؤ الفرص بين الخصوم.
ثالثاً: المستجد الحقيقي يطرح سؤالاً آخر: أين الجزاء؟
هنا تكمن المسألة الأكثر إثارة للنقاش.
فالمشرع ألزم بأن يسلم الاستدعاء مرفقاً بنسخة من مقال الدعوى، لكنه لا يحدد في المادة 84، بصورة صريحة، الجزاء المترتب عن عدم إرفاق هذه النسخة.
ومن ثم يبرز التساؤل:
هل يؤدي عدم إرفاق مقال الدعوى إلى بطلان التبليغ؟ وهل يكفي التمسك بخرق هذا الإجراء أمام المحكمة؟ وما هي شروط وآثار هذا البطلان؟
والأدق قانوناً هو عدم الجزم مسبقاً بأن كل إخلال بهذه الشكلية يؤدي آلياً إلى البطلان؛ إذ يتعين التمييز بين وجود المخالفة الإجرائية وبين الأثر القانوني الذي يرتبه القضاء عليها، في ضوء القواعد العامة للبطلان ومدى تأثير الإخلال في حقوق الدفاع.
وهنا ستبرز أهمية الاجتهاد القضائي في المرحلة المقبلة، خاصة في تحديد ما إذا كانت هذه الشكلية تعد من الشكليات الجوهرية التي يترتب عن خرقها بطلان الإجراء، أم أن الأمر يتطلب إثبات أثر فعلي على ممارسة حقوق الدفاع.
رابعاً: بين النص والتطبيق... لا قيمة للضمانة إذا لم تصل إلى المتقاضي
إن فعالية هذا المستجد لا تتوقف على النص وحده، وإنما على كيفية تنزيله في الواقع العملي.
فالمطلوب هو أن تنعكس المادة 84 على نماذج الاستدعاءات القضائية، وعلى مساطر التبليغ، وعلى عمل الجهات المكلفة به، بما يجعل إرفاق نسخة مقال الدعوى ممارسة فعلية ومنتظمة، وليس مجرد مقتضى مكتوب في القانون.
كما أن إثبات عملية التبليغ وشروطها يكتسي أهمية خاصة، وهو ما تؤكده المقتضيات الجديدة المتعلقة بشهادة التسليم وبياناتها.
ولا ينبغي أن يتحول عبء احترام هذه الشكلية إلى عبء على المتقاضي نفسه، خصوصاً أن كثيراً من المتقاضين لا يملكون المعرفة القانونية الكافية لمراقبة جميع التفاصيل التقنية للتبليغ.
خامساً: من مجرد التبليغ إلى التبليغ الواعي
إن فلسفة المادة 84، في تقديري، ينبغي أن تُقرأ في إطار أوسع:
ليس المطلوب أن نُبلغ الشخص فقط بأن عليه الحضور أمام القضاء، وإنما أن نمكنه من معرفة لماذا استُدعي، وما الذي يطلبه خصمه منه أو ضده.
فالتبليغ الذي يمكن المتقاضي من الاطلاع على مقال الدعوى:
يكرس حقه في الدفاع؛
يعزز مبدأ المواجهة بين الخصوم؛
يحقق قدراً أكبر من تكافؤ الفرص؛
يساعد على إعداد الدفاع في الوقت المناسب؛
ويمنح للتبليغ القضائي معناه الحقيقي باعتباره ضمانة للمحاكمة العادلة.
وخلاصة القول، فإن التنصيص الصريح في المادة 84 على إرفاق الاستدعاء بنسخة من مقال الدعوى يمثل، بلا شك، انتقالاً من صياغة عامة إلى تحديد تشريعي أكثر وضوحاً.
غير أن التحدي الحقيقي يبدأ من هنا:
هل يكفي أن يقول القانون "يجب"؟ أم أن فعالية القاعدة الإجرائية تقتضي أيضاً تحديد الجزاء المترتب عن مخالفتها؟
فالقانون الإجرائي لا يقاس فقط بجودة صياغة قواعده، وإنما كذلك بقدرته على ضمان احترامها وتحقيق الغاية التي شرعت من أجلها.
وفي نهاية المطاف، فإن التبليغ ليس مجرد ورقة تسلم للمتقاضي، وإنما هو أول ممارسة فعلية لحقه في الدفاع.
ومن ثم، فإن إرفاق الاستدعاء بمقال الدعوى ليس تفصيلاً شكلياً، بل هو جزء من بناء عدالة إجرائية تقوم على العلم، والمواجهة، وتكافؤ الفرص، واحترام حقوق الدفاع


