أضحت الملكية المشتركة اليوم نموذجاً حضرياً متزايد الانتشار داخل المدن المغربية، سواء في البنايات السكنية أو المركبات التجارية. ومع هذا التطور، برزت الحاجة إلى تنظيم دقيق يوازن بين حقوق الملاك وواجباتهم، ويضمن استمرارية تدبير المرافق المشتركة في ظروف سليمة. وفي هذا السياق، يكتسي اتحاد الملاك ودوره في تعيين وكيل عنه (السنديك) أهمية محورية في ضمان حسن التسيير وتحقيق النجاعة في اتخاذ القرار وتنفيذه.
أولاً: اتحاد الملاك كأساس للحكامة في الملكية المشتركة
يشكل اتحاد الملاك الإطار القانوني والتنظيمي الذي يجمع جميع المالكين في بناية واحدة، وهو الجهة التي تُتخذ داخلها القرارات الجماعية المتعلقة بالتسيير والصيانة والتدبير المالي.
ويُعد هذا الاتحاد فضاءً للتداول واتخاذ القرار الجماعي وإطاراً لتوحيد الرؤية حول تسيير الملكية المشتركة، كما انه يعد مرجعاً لتحديد الحقوق والالتزامات المالية والتنظيمية.
ومن هنا، فإن فعالية التسيير ترتبط أساساً بمدى وعي الملاك بأهمية هذا الإطار، وبمدى احترامهم لقراراته.
ثانياً: السنديك باعتباره وكيلاً تنفيذياً لاتحاد الملاك
لا يمكن تصور تسيير فعلي للملكية المشتركة دون وجود وكيل عن اتحاد الملاك، يتمثل في السنديك، الذي يمثل الجهاز التنفيذي للملكية المشتركة، ويتولى تنفيذ القرارات المتخذة داخل الجمع العام.
ومن أبرز وظائفه:
1_ التسيير الإداري والمالي
تنفيذ قرارات الجمع العام للملاك المشتركين.
إعداد ميزانية التسيير السنوية.
مسك حسابات الملكية المشتركة وتقديم تقرير مالي دوري.
تحصيل واجبات الاشتراك من الملاك
2_ المحافظة على الأجزاء المشتركة
السهر على صيانة المرافق المشتركة (السلالم، المصاعد، السطح، الإنارة…).
التعاقد مع شركات الصيانة والحراسة والنظافة.
اتخاذ التدابير الاستعجالية في حالة الخطر.
3_ التمثيل القانوني
تمثيل اتحاد الملاك أمام المحاكم والإدارات.
مباشرة الدعاوى القضائية باسم الاتحاد، خصوصاً دعاوى استخلاص الديون.
وفي هذا السياق، جاء تعديل 22 غشت 2024 ليُحدث تحولاً مهماً، من خلال إقرار إجبارية سلوك مسطرة الصلح قبل اللجوء إلى القضاء. فكل دعوى ترمي إلى استخلاص واجبات الاشتراك، أصبحت غير مقبولة شكلاً، ما لم يثبت السنديك قيامه بمحاولة صلح مسبقة مع المالك المتخلف عن الأداء.
4_ احترام النظام الداخلي
السهر على احترام النظام الأساسي ونظام الملكية المشتركة.
إشعار المخالفين بالإخلالات المرتكبة داخل الملكية.
وبذلك، فإن السنديك لا يُعد سلطة مستقلة، بل جهازاً تنفيذياً مرتبطاً بإرادة اتحاد الملاك.
ثالثاً: أهمية إنشاء اتحاد منظم وتعيين سنديك فعال
إن إنشاء اتحاد منظم للملاك، مع تعيين وكيل مؤهل لتدبير شؤونه، يحقق عدة أهداف أساسية:
_ ضمان الاستمرارية في التسيير بعيداً عن العشوائية أو التدبير الفردي.
_ تفعيل القرارات الجماعية بشكل ملزم وفعال.
_ تعزيز الشفافية المالية عبر مسك محاسبة واضحة.
_ تحسين جودة الخدمات المشتركة من نظافة وصيانة وأمن.
_ تقوية الموقف القانوني للاتحاد في مواجهة حالات التماطل أو عدم الأداء.
وهكذا أصبح لزاما تكوين السنديك تكويناً قانونياً ومالياً، وتفعيل المراقبة الداخلية داخل اتحاد الملاك، وكذا اعتماد الشفافية في التسيير المالي، بالاضافة الى اللجوء المبكر للمساطر القانونية عند الامتناع عن الأداء.
رابعاً: واجبات الاشتراك بين الالتزام القانوني والوعي الجماعي.
تشكل واجبات الاشتراك العمود الفقري لاستمرار الملكية المشتركة، وتشمل:
_ مصاريف الصيانة.
_ استهلاك الكهرباء والماء للأجزاء المشتركة.
_ أجور الحراسة والنظافة.
_ مصاريف التأمين والإصلاحات.
وعدم أداء هذه الواجبات يُخلّ بمبدأ التضامن بين الملاك ويؤثر سلباً على جودة العيش المشترك.
خامساً: إشكالات واقعية وتوصيات
إن النجاعة الحقيقية لنجاح الملكية المشتركة، تظل مرتبطة بثلاثة عناصر أساسية:
_ تنظيم محكم لاتحاد الملاك.
_ تعيين سنديك كفء وفعال.
_ التزام جماعي واحترام للقرارات المتخذة
غير أنه، ورغم الإطار القانوني المتوفر، لا تزال بعض الإشكالات مطروحة، من بينها:
_ ضعف وعي الملاك بدور السنديك.
_ التراخي في أداء الواجبات.
_ غياب التكوين القانوني لبعض السنديكات
كما ان الإشكال الجوهري والعملي المطروح، يظل مرتبطاً بضعف الالتزام لدى بعض الملاك، مما يفرض:
_ تعزيز الوعي الجماعي بأن الأداء ليس اختياراً بل التزاماً قانونياً.
_ ترسيخ ثقافة التضامن داخل الملكية المشتركة.
_ الحد من حالات التماطل التي تؤثر على جودة العيش المشترك.
_ دعم السنديك في القيام بمهامه دون عراقيل.
وختاما، فإن اتحاد الملاك ليس مجرد إطار شكلي، بل
هو قلب نظام الملكية المشتركة وروحه التنظيمية،
فيما يمثل السنديك الذراع التنفيذي الذي يترجم القرارات إلى واقع ملموس، وحجر الزاوية في نجاح نظام الملكية المشتركة.
وتظل نجاعة تحصيل واجبات الاشتراك رهينة بحسن تطبيق القانون وتعاون الملاك واحترامهم لالتزاماتهم. ومع المستجدات التشريعية والقضائية، باتت حماية مالية الملكية المشتركة أكثر قوة، شريطة حسن التفعيل.
وبين الإطار المؤسسي والالتزام الجماعي، تتحدد جودة العيش المشترك داخل البنايات، وتتحقق الحكامة الحقيقية في تدبير الملكية المشتركة.
الأستاذة مليكة حفيظ قاضية سابقة ودكتورة في الحقوق


