قراءة في ضوء المادة 116 من قانون المسطرة المدنية الجديد: نحو عقلنة الزمن القضائي
مقدمة
يُعدّ القبول الشكلي للدعوى من الركائز الأساسية لضمان حسن سير العدالة، إذ لا يمكن تصور الخوض في موضوع النزاع دون التأكد من توفر شروطه الأولية. غير أن الممارسة القضائية في المغرب، في ظل الصيغة السابقة لقانون المسطرة المدنية، أفرزت وضعاً إشكالياً تمثل في لجوء بعض المحاكم إلى إصدار أوامر تمهيدية بإجراءات التحقيق قبل البت في القبول الشكلي، مما أدى إلى هدر الزمن القضائي وتكبيد المتقاضين مصاريف غير منتجة.
في هذا السياق، جاءت المادة 116 من قانون المسطرة المدنية الجديد، لتؤسس لقاعدة إجرائية جديدة مفادها ضرورة التحقق من القبول الشكلي قبل أي إجراء من إجراءات التحقيق.
الإشكالية
إلى أي حد يساهم تكريس أسبقية البت في القبول الشكلي للدعوى على إجراءات التحقيق في تحقيق النجاعة القضائية؟ وما هي حدود تطبيق هذا المبدأ في ضوء الإشكالات العملية؟
المبحث الأول: الإطار النظري للقبول الشكلي للدعوى
الفقرة الأولى: مفهوم القبول الشكلي
يقصد بالقبول الشكلي للدعوى توفر الشروط القانونية اللازمة لرفعها، والمتمثلة أساساً في:
الصفة
المصلحة
الأهلية
احترام الآجال
استيفاء البيانات الشكلية
وقد استقر بعض الفقه على اعتبار هذه الشروط من النظام العام الإجرائي، وقضت محكمة النقض المغربية في عدة قرارات لها بضرورة توفر الصفة والمصلحة تحت طائلة عدم القبول، معتبرة ذلك من النظام العام (قرار عدد 742 بتاريخ 2013)
الفقرة الثانية: موقع إجراءات التحقيق في الخصومة المدنية
تشكل إجراءات التحقيق (الخبرة، المعاينة، البحث) وسائل لإثبات وقائع النزاع، وهي بطبيعتها مرتبطة بموضوع الدعوى، مما يقتضي منطقياً أن تكون لاحقة على التحقق من قبولها.
المبحث الثاني: مستجد المادة 116 وتحول المنطق الإجرائي
الفقرة الأولى: قراءة في نص المادة 116
تنص المادة 116 على أنه:
"يتعين على المحكمة، قبل الأمر تمهيديا بأي إجراء من إجراءات التحقيق، أن تتأكد من شكليات قبول الدعوى."
ويُستفاد من هذا النص:
الطابع الإلزامي للمقتضى
أسبقية القبول الشكلي
تقييد سلطة المحكمة في الأمر بالتحقيق
الفقرة الثانية: أهداف المشرع
أخيراً، وضع المشرع حداً لمفارقة قضائية كانت تُرهق المتقاضين وتستنزف الزمن القضائي…
سابقًا المحكمة تأمر بخبرة، والأطراف تؤدي المصاريف والوقت يمر…
ثم الحكم بعدم قبول الدعوى شكلاً!
ويمكن إجمال أهداف هذا المستجد في:
_ ترشيد الزمن القضائي.
_ الحد من الإجراءات غير المنتجة.
_ حماية المتقاضين من التكاليف غير الضرورية.
_ تعزيز النجاعة القضائية وعقلنة الإجراءات.
المبحث الثالث: الأبعاد التطبيقية والإشكالات العملية
الفقرة الأولى:
هذا المستجد ليس مجرد تعديل إجرائي… بل هو تحول في فلسفة العدالة، وسيؤدي هذا المقتضى إلى:
_ تقليص الأوامر التمهيدية غير المجدية
_ تعزيز دور القاضي في التصفية الأولية
_ إعادة ترتيب مراحل التقاضي
الفقرة الثانية: الإشكالات العملية
رغم أهمية النص، يطرح عدة إشكالات، منها:
_ الحالات التي يتوقف فيها التحقق من القبول على إجراء تحقيق
(مثلاً: إثبات الصفة أو العلاقة القانونية)
_ مدى إمكانية إصدار إجراءات تحقيق محدودة لأغراض شكلية
_ حدود رقابة محكمة النقض على تطبيق المادة
لكن يبقى السؤال: هل سينجح القضاء في التوفيق بين هذا المبدأ
وبين الحالات التي يتطلب فيها إثبات القبول نوعاً من التحقيق؟
وختاما، فإن المادة 116 تمثل تحولاً نوعياً في فلسفة المسطرة المدنية، حيث انتقل المشرع من منطق يسمح بتداخل مراحل التقاضي إلى منطق يقوم على ترتيبها بشكل عقلاني، عن طريق إلزام المحكمة بالتحقق من شروط القبول الشكلي للدعوى قبل الأمر بأي إجراء من إجراءات التحقيق.
غير أن نجاح هذا المستجد يبقى رهيناً بمدى حسن تنزيله قضائياً، وقدرة الاجتهاد القضائي على معالجة الإشكالات التطبيقية.


