الأستاذة مليكة حفيظ قاضية سابقا ودكتورة في الحقوق
1. رؤية ملكية تجعل الأسرة أساس كل إصلاح
منذ سنوات، يضع محمد السادس الأسرة المغربية في صلب المشروع المجتمعي، والنواة الأساسية لكل إصلاح مجتمعي، باعتبارها الحاضنة الأولى للقيم والتوازن الاجتماعي. ولم يكن هذا التوجه مجرد خطاب ظرفي، بل خياراً استراتيجياً يؤكد أن النهوض بالمجتمع لا يمكن أن يتحقق إلا عبر إصلاح أوضاع الأسرة وضمان حقوق جميع مكوناتها دون استثناء
باعتبارها النواة الأولى للاستقرار والتوازن. وقد جاء خطاب العرش 30 يوليوز 2022 ليؤكد بوضوح أن إصلاح مدونة الأسرة لم يعد خياراً، بل ضرورة لضمان الكرامة والإنصاف، مع التشبث بثوابت الأمة ومراعاة المصلحة الفضلى للطفل.
2. النموذج التنموي يؤسس لمنطق الإصلاح من داخل الأسرة
جاءت خلاصات اللجنة الخاصة بالنموذج التنموي لتؤكد هذا التوجه، حيث شددت على أن تحقيق التنمية الشاملة يمر حتماً عبر إصلاح القوانين المؤطرة للأسرة، بما يضمن التوازن والعدالة داخلها، ويعزز مكانة المرأة ويحمي حقوق الطفل، باعتبارهما ركيزتين لأي تحول تنموي حقيقي
وهكذا، أكدت اللجنة الخاصة بالنموذج التنموي في خلاصاتها أن أي تحول تنموي حقيقي ينطلق من إصلاح الأسرة، عبر قوانين عادلة ومتوازنة، تعزز مكانة المرأة وتؤمن حقوق الطفل، وتخلق بيئة اجتماعية سليمة قادرة على مواكبة التحولات.
3. إجماع مؤسساتي على ضرورة المراجعة
كما عزز المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي هذا التوجه، من خلال توصيات واضحة تنص على ضرورة إعادة النظر في مدونة الأسرة ومراجعة بعض بنودها، بما يتلاءم مع التحولات الاجتماعية والاقتصادية، ويستجيب للإشكالات الواقعية التي تعاني منها الأسر المغربية، ويعالج الاختلالات التي أفرزها التطبيق العملي للنص الحالي.
4. حكمة ملكية في تدبير ورش الإصلاح
بروح من الحكمة والتبصر، أطلق جلالة الملك ورشاً تشاركياً واسعاً، حيث تم إحداث لجنة موسعة للاستماع إلى مختلف الفاعلين: مؤسسات، أحزاب، جمعيات، وخبراء، في خطوة تعكس حرصاً على إشراك كل مكونات المجتمع في صياغة إصلاح متوازن. وقد التزمت اللجنة بالآجال المحددة، وقدمت تصوراً إصلاحياً شاملاً يعكس تعددية المجتمع المغربي وتنوع انتظاراته.
5. دور المجلس العلمي الأعلى واستمرار الاجتهاد
أُحيلت القضايا ذات الطابع الشرعي على المجلس العلمي الأعلى، الذي حسم في ثلاث مسائل:
_ عدم اعتماد الخبرة الجينية لإثبات نسب الطفل مجهول الأب؛
_ الإبقاء على نظام التعصيب دون تعديل؛
_ عدم إقرار إرث غير المسلمة من زوجها المسلم.
ومع ذلك، وجّه جلالة الملك إلى مواصلة الاجتهاد في باقي القضايا، بما يحقق التوازن بين المرجعية الدينية ومتطلبات التطور المجتمعي.
6. مرحلة الصياغة القانونية...مسار لم يكتمل
تم بعد ذلك تشكيل لجنة تقنية لصياغة النصوص القانونية، مع توسيع تركيبتها، لتشمل كفاءات متعددة خارج الإطار التقليدي لوزارة العدل، في خطوة تعكس أهمية هذا الإصلاح وتعقيداته، غير أن هذا المسار، رغم انطلاقته القوية، لم يكتمل بالوتيرة المنتظرة.
7. إعلام غائب عن ورش مجتمعي كبير
رغم تأكيد جلالة الملك على ضرورة مواكبة إصلاح مدونة الأسرة إعلامياً لتوضيح مستجداته للرأي العام،
،ولشرح مضامين الإصلاح وفتح نقاش عمومي،
فإن هذه المواكبة ظلت محدودة ومؤقتة، مما ساهم في غياب تواصل فعال مع المواطنين حول مآل هذا الورش الإصلاحي ، وغياب وضوح الرؤية لدى المواطنين بشأن مآل هذا الورش.
8. انتظار يطول ومسؤولية حكومية قائمة…وأسئلة تتزايد
إلى حدود اليوم، لا تزال الأسر المغربية تترقب إخراج مشروع تعديل مدونة الأسرة إلى حيز الوجود، في ظل غياب توضيحات كافية من طرف الحكومة المغربية حول مراحل التقدم في هذا الملف. وهو ما يطرح تساؤلات مشروعة حول مدى الالتزام بتفعيل التوجيهات الملكية.
9. البرلمان: امام مسؤولية الحسم...صاحب الكلمة الأخيرة
يبقى الحسم النهائي بيد البرلمان المغربي، الجهة المخول لها دستورياً مناقشة مشروع التعديل والمصادقة عليه، باعتباره المؤسسة التي تمثل إرادة الأمة، التي ستناقش مشروع التعديل وتقرر في مضامينه، وصاحب الكلمة الأخيرة في إخراج هذا الإصلاح إلى حيز التنفيذ، بما يحقق التوازن بين مختلف الانتظارات المجتمعية.
10. كلفة التأخر على الأسرة المغربية واستقرارها
إن طول مدة الانتظار ليست بدون كلفة، واستمرار العمل بنصوص لم تعد تواكب التحولات الاجتماعية الراهنة، ينعكس سلباً على استقرار الأسرة، ويعمق معاناة النساء والأطفال، خاصة في قضايا الحضانة والنفقة والعلاقات الأسرية، ما يجعل من تسريع الإصلاح ضرورة ملحة لا تقبل التأجيل.
وكخلاصة القول، فبين وضوح الرؤية الملكية وتعدد المرجعيات الداعمة للإصلاح، وبين بطء التنزيل، تبقى الأسرة المغربية في وضع انتظار طويل.
إصلاح مدونة الأسرة لم يعد مجرد ورش قانوني،
بل هو رهان مجتمعي كبير يعكس مدى قدرتنا على بناء مجتمع متوازن وعادل، واختبار حقيقي لمدى قدرة المؤسسات على الاستجابة لتحولات المجتمع وضمان كرامة جميع أفراده.
وبين وضوح الرؤية الملكية وتعثر التنفيذ، تبقى الأسرة المغربية في قلب الانتظار، أملاً في إخراج نص قانوني يحقق الكرامة والإنصاف للجميع


