الأستاذة مليكة حفيظ قاضية سابقا ودكتورة في الحقوق
مقدمة
دخل النظام الضريبي المغربي مرحلة جديدة مع مستجدات قانون المالية لسنة 2026، حيث تم تكريس التبليغ الإلكتروني كآلية رسمية للتواصل بين الإدارة الضريبية والملزمين. هذا التحول، الذي يندرج ضمن ورش الرقمنة، لم يعد مجرد خيار تقني، بل أصبح وسيلة قانونية منتجة لكافة الآثار، بما في ذلك بدء سريان الآجال وترتيب المسؤوليات.
غير أن هذا التطور، رغم أهميته، يثير تساؤلات جوهرية، ويطرح إشكالات قانونية وعملية، تتعلق بمدى تأثيره على حقوق الملزم وضماناته، خاصة من حيث الآجال، والتقادم، وضمانات المحاكمة العادلة.
أولاً: الإطار القانوني للتبليغ الإلكتروني
تنص المادة 142 من مدونة الضرائب بالنسبة للمقتضيات المتعلقة بالتبليغ على انه:
يجب على الخاضعين للضريبة، باستثناء الخاضعين" لنظام المساهمة المهنية الموحدة أو نظام المقاول الذاتي، أن يدلوا بعنوان إلكتروني من اختيارهم لدى الإدارة الجبائية."
"يعتبر العنوان الإلكتروني المذكور موطناً مختاراً للتبليغ، وله نفس الحجية القانونية للتبليغ الورقي المنصوص عليه في المادة 219."
وهكذا أدرج المشرع ضمن مقتضيات المادة 142 من المدونة العامة للضرائب إمكانية اعتماد الوسائل الإلكترونية في التبليغ، إلى جانب الوسائل التقليدية.
ويقوم هذا النظام على الاعتراف بالبريد الإلكتروني كوسيلة تبليغ قانونية، وربط التبليغ بوجود حساب رقمي أو تصريح مسبق من الملزم، مع ترتيب نفس الآثار القانونية المترتبة عن التبليغ الورقي، وبالتالي، أصبح التبليغ الإلكتروني ينتج بدء سريان الآجال. وإمكانية فرض الضريبة، وترتيب آثار قانونية ملزمة.
هذا التحول يعكس إرادة حقيقية لجعل الإدارة الضريبية أكثر فعالية ونجاعة.
ثانياً: التبليغ الإلكتروني كآلية لتكريس فعالية الإدارة الضريبية
يحقق هذا النظام مجموعة من الأهداف العملية:
1. تسريع المساطر
يمكن للإدارة إرسال آلاف الإشعارات في وقت وجيز دون قيود مادية.
2. تقليص الكلفة الإدارية
الاستغناء عن التبليغ الورقي (رسائل مضمونة، أعوان التنفيذ…).
3. تحسين المردودية الجبائية
رفع نسبة الامتثال الضريبي وتقليص حالات الإفلات.
4. دعم الرقمنة والأنظمة الذكية
إمكانية اعتماد أنظمة معلوماتية متطورة لمعالجة وتتبع الملفات الضريبية.
ثالثاً: الآثار القانونية للتبليغ الإلكتروني على الملزم
يترتب عن اعتماد البريد الإلكتروني مجموعة من الآثار الخطيرة:
1. بداية سريان الآجال القانونية، إذ بمجرد توصل الملزم بالإشعار الإلكتروني يؤدي إلى احتساب أجل الطعن، أو أجل الأداء.
2. فقدان حق الطعن في حالة السكوت، وبذلك فعدم التفاعل داخل الأجل يؤدي إلى فرض الضريبة تلقائياً، واعتبار الملزم موافقاً ضمنياً.
3. الانتقال إلى مسطرة التحصيل الجبري في حالة عدم الأداء، ويتم تحويل الملف إلى الخزينة العامة ويبدأ تراكم الغرامات والزيادات، ثم مباشرة إجراءات التحصيل (إنذار، حجز، بيع…). وبذلك، لم يعد مقبولاً الدفع بعدم التوصل أو الجهل بالإجراء.
رابعاً: تأثير التبليغ الإلكتروني على نظام التقادم الضريبي
من أبرز الآثار غير المباشرة للتبليغ الإلكتروني، تأثيره على نظام التقادم الضريبي.
فإذا كان التقادم يقوم على مرور مدة زمنية دون اتخاذ أي إجراء من طرف الإدارة، فإن سهولة التبليغ الإلكتروني، وإمكانية تكراره بسرعة، يجعلان من السهل قطع التقادم بشكل مستمر.
وبالتالي، فإن التقادم لم يُلغَ قانوناً، لكنه أصبح في الواقع أقل قابلية للتحقق، مما يضعف من دوره كآلية لحماية الملزم.
خامساً: حدود وضمانات التبليغ الإلكتروني
يضع هذا النظام الملزم أمام واقع جديد، والتزامات جديدة، من ضرورة تتبع البريد الإلكتروني بانتظام، والتفاعل السريع مع الإشعارات، واحترام الآجال القانونية بدقة.
إلا انه، رغم فعاليته وايجابياته، يثير النظام عدة إشكالات:
1. إشكالية الولوج الرقمي
ليس جميع الملزمين قادرين على التفاعل مع الوسائل الإلكترونية، ويتوفرون على وسائل رقمية، أو يتتبعون بريدهم الإلكتروني بانتظام
2. مخاطر التبليغ الشكلي
امكانية احتمال اعتبار الإرسال بمثابة تبليغ، حتى في غياب العلم الفعلي للملزم.
3.هنا يبرز دور القضاء
يبقى القضاء الضامن الأساسي من خلال مراقبة صحة التبليغ، والتحقق من احترام المساطر، وضمان حقوق الدفاع، وإلغاء الإجراءات في حالة الإخلال.
وختاما، فإن التبليغ الإلكتروني يعتبر خطوة متقدمة في تحديث الإدارة الضريبية، لكنه في المقابل يعيد طرح إشكالية التوازن بين فعالية الإدارة وحماية حقوق الملزم، إذ لا ينبغي أن تتحول الرقمنة إلى وسيلة لتسريع المساطر فقط، على حساب الضمانات الأساسية.
فإذا كان هذا النظام يسهم في تسريع التحصيل وتعزيز الرقابة، فإنه في المقابل، قد يؤدي، في غياب ضمانات كافية، إلى تقليص فعلي لحقوق الملزم، خاصة فيما يتعلق بالتقادم وحق الطعن.
وبالتالي فإن نجاحه لا يكمن فقط في اعتماده، بل في مدى قدرته على تحقيق العدالة الجبائية دون الإخلال بمبادئ الأمن القانوني.


