لم يعد موضوع الإجهاض في المغرب مجرد قضية هامشية أو حالات معزولة، بل أضحى إشكالًا مجتمعياً وقانونياً معقدًا يطرح نفسه بإلحاح، في ظل استمرار المقاربة الزجرية التي لم تنجح في الحد من الظاهرة، بقدر ما دفعتها إلى السرية.
من الناحية القانونية، لا يزال الإجهاض مجرّمًا بمقتضى الفصول 449 إلى 458 من القانون الجنائي، باستثناء حالات ضيقة جدًا تتعلق بإنقاذ حياة الأم، وفق شروط صارمة. غير أن هذه المقاربة، التي تعود إلى سياق تاريخي مغاير، لم تعد تواكب التحولات الاجتماعية التي يعرفها المجتمع المغربي.
فالواقع يكشف أن المنع القانوني لم يُنهِ الظاهرة، بل نقلها إلى فضاءات خفية تُمارس فيها في غياب أدنى شروط السلامة، مما يحوّلها من مسألة قانونية إلى خطر حقيقي على حياة النساء وسلامتهن الجسدية والنفسية.
الأخطر من ذلك، أن هذا الوضع لا يطال النساء فقط، بل يمتد ليشمل الأطر الطبية، التي تجد نفسها في وضعية معقدة بين واجبها الإنساني ومقتضيات القانون. وفي كثير من الحالات، تتحول محاولة تقديم المساعدة إلى سبب للمتابعة الجنائية، مما يفضي إلى زج أطباء ومهنيين صحيين في السجون، في سياق يعكس خللًا عميقًا في التوازن بين النص القانوني والواقع العملي.
أما من الناحية الاجتماعية، فإن المفارقة تبدو أكثر حدّة: مجتمع يرفض الحمل خارج إطار الزواج، لكنه في المقابل لا يوفر بدائل قانونية أو مؤسساتية أو طبية آمنة للنساء اللواتي يجدن أنفسهن في هذه الوضعية. وهكذا، تُدفع العديد منهن إلى خيارات محفوفة بالمخاطر، تحت ضغط الخوف من الوصم الاجتماعي والمتابعة القانونية.
إن استمرار هذا الوضع يطرح تساؤلًا جوهريًا: هل وظيفة القانون هي الزجر فقط، أم حماية المجتمع وصون كرامة أفراده؟
ذلك أن تجريم الإجهاض، في صيغته الحالية، لم يمنع وقوعه، بل ساهم في تعميق مخاطره، ووسّع دائرة ضحاياه لتشمل النساء والأطباء على حد سواء.
على المستوى المؤسساتي، سبق أن طُرح الموضوع في إطار نقاشات رسمية، بما في ذلك إحالته على المجلس العلمي الأعلى، الذي فتح بدوره باب الاجتهاد في حدود ما تقتضيه المصلحة. غير أن هذا النقاش ظل دون ترجمة تشريعية واضحة، رغم الحاجة الملحّة إلى مقاربة أكثر واقعية.
إن معالجة هذا الملف لا تقتضي بالضرورة رفع التجريم بشكل مطلق، وإنما تستدعي إعادة النظر فيه ضمن إطار قانوني متوازن، يراعي:
حماية حياة المرأة وصحتها،
ضمان كرامتها الإنسانية،
تأطير الممارسة طبيًا وقانونيًا،
وتخفيف العبء الجنائي عن الأطر الصحية.
فمقاصد الشريعة الإسلامية نفسها تقوم على حفظ النفس وصيانة الكرامة، وهي مبادئ يمكن أن تؤسس لنقاش هادئ ومسؤول حول تقنين الإجهاض في حالات محددة وواضحة.
لقد آن الأوان لفتح هذا الملف بشجاعة وواقعية، بعيدًا عن الصمت والمقاربات الاختزالية، لأن القوانين التي تتجاهل الواقع لا تلغيه، بل تدفعه إلى الظل… وهناك، في الخفاء، تتفاقم المآسي.
إن إعادة التفكير في الإطار القانوني للإجهاض لم تعد ترفًا فكريًا، بل ضرورة إنسانية واجتماعية، تفرضها حماية الأرواح وتفادي الزج بمزيد من النساء والأطباء في دوامة المتابعات الجنائية.


