قراءة في إشكالية التعارض بين المادة 11 من قانون المسطرة المدنية والمادة 269 من مدونة الأسرة.
مقدمة.
يشهد النظام القانوني المغربي تحولات نوعية تروم تعزيز الولوج إلى العدالة وتكريس فعالية الحماية القضائية، ومن أبرز تجليات ذلك ما جاءت به المادة 11 من قانون المسطرة المدنية الجديد، التي أتاحت للقاصر المميز إمكانية التقاضي شخصيا بإذن من المحكمة.
غير أن هذا التوجه، رغم طابعه التقدمي، يثير إشكالا عميقا يتعلق بمدى انسجامه مع فلسفة الحماية القانونية للقاصر، كما هي مقررة في مدونة الأسرة، وخاصة في ضوء المادة 269 منها.
فهل نحن أمام تعارض حقيقي بين النصين، أم مجرد تكامل غير مؤطر يحتاج إلى ضبط تشريعي وقضائي؟
اولا: الأساس القانوني للإذن بالتقاضي لفائدة القاصر المميز.
أجازت المادة 11 للمحكمة أن تأذن للقاصر المميز بالتقاضي أو الصلح، بشرط وجود مصلحة ظاهرة، وغياب النائب الشرعي أو تعذر النيابة.
وهو ما يمنح القضاء سلطة تقديرية واسعة في تقرير أهلية التقاضي الاستثنائية.
ويقوم هذا التوجه على منطق:
_ تمكين القاصر من الدفاع عن حقوقه،
_ تجاوز حالات الفراغ أو تعطّل النيابة،
_ تعزيز الحق في الولوج إلى العدالة.
إذن، فلسفة النص قائمة على التمكين القضائي للقاصر في حالات استثنائية
ثانيا: منطق حماية القاصر في مدونة الأسرة
تُقر مدونة الأسرة أن القاصر ناقص أو عديم الأهلية، يخضع وجوبا لنظام النيابة الشرعية، ولا يمكنه مباشرة التصرفات القانونية بمفرده.
وهو ما يعكس توجها قائما على حماية القاصر عبر التمثيل القانوني
ثالثًا: آلية الحماية عند تعارض المصالح (المادة 269)
تنص المادة 269 على أنه:
إذا تعارضت مصالح النائب الشرعي أو من يرتبط به مع مصالح القاصر، فإن المحكمة تتدخل لتعيين ممثل خاص يتولى إبرام التصرف وحماية مصالح المحجور
وترتكز هذه القاعدة على مبدأ جوهري:
_ لا يُترك القاصر يواجه التصرفات القانونية بمفرده لضعف الإدراك القانوني للقاصر.
_ بل يتم تعويض النائب بممثل محايد
إذن فلسفة النص تقوم على اساس الحماية عبر الوساطة القانونية وليس عبر الاستقلال.
رابعا: مظاهر التعارض بين النصين والإشكال العملي
1_: تعارض في الآليات القانونية
المادة 11: تسمح للقاصر بالتقاضي بنفسه،
المادة 269: تفرض تعيين ممثل لحمايته.
الإشكال الجوهري:
هل يُعقل أن يُمنع القاصر من إبرام تصرف بسبب تعارض المصالح،
ثم يُسمح له بالتقاضي حول نفس التصرف بمفرده؟
2_: مخاطر عملية حقيقية
يُفرز هذا التعارض عدة مخاطر:
_ ضعف الإدراك القانوني للقاصر،
_ تعقيد النزاعات (خاصة العقارية والمالية)،
_ احتمال التفريط في الحقوق.
مما يجعل الإذن بالتقاضي قد يتحول من آلية تمكين إلى مخاطرة قضائية
خامسًا: مكامن الخلل التشريعي
لا يكمن الإشكال فقط في التعارض، بل في:
■ غياب التنسيق بين النصين،
■ عدم الإحالة على المادة 269 داخل المادة 11،
■ غموض معيار "المصلحة الظاهرة"،
■ عدم التنصيص على مواكبة أو تمثيل مساعد.
وهو ما قد يؤدي إلى تغليب منطق التمكين غير المؤطر على حساب الحماية الواجبة.
سادسًا: نحو قراءة توفيقية بين النصين
رغم مظاهر التعارض، يمكن الدفع نحو انسجام نسبي عبر:
1_: التمييز بين المجالين
_ المادة 269: تتعلق بالتصرفات الموضوعية،
_ المادة 11: تتعلق بالإجراءات (التقاضي).
غير أن هذا التمييز يظل نسبيا، لأن التقاضي قد يكون أخطر من التصرف نفسه.
2_: الطابع الاستثنائي للإذن بالتقاضي
الإذن الممنوح للقاصر ليس قاعدة عامة، بل استثناء يخضع لرقابة المحكمة.
لكن غياب ضوابط دقيقة يجعله قابلا للتوسع غير المحسوب.
3_: دور القاضي في حماية المصلحة الفضلى
يفترض أن القاضي لا يمنح الإذن إلا إذا تحقق نفع واضح للقاصر، وضمان عدم الإضرار بحقوقه.
إلا أن هذا الدور لا يعوض غياب الخبرة القانونية للقاصر.
سابعًا: الحلول المقترحة للتخفيف من حدة التعارض
يمكن التخفيف من حدة هذا التعارض عبر:
■ تفسير المادة 11 تفسيرا ضيقا، واعتبار الإذن بالتقاضي استثناء ضيقا.
■ حصرها في القضايا البسيطة أو النافعة،
■ استبعاد تطبيقها في حالات تعارض المصالح
■ إلزام المحكمة بتعيين ممثل أو مساعد قانوني،
■ أو التنصيص على تشريعيا على أولوية تطبيق المادة 269.
وختاما، يتضح أن:
_ المادة 269 تقوم على منطق الحماية الصارمة عبر التمثيل،
_ في حين ان المادة 11 تكرس منطق التمكين عبر الاستقلال.
غير أنه عند تعارض المصالح، يجب أن تسمو الحماية على التمكين، لأن المصلحة الفضلى للقاصر تظل هي المعيار الأسمى.
وعليه، فإن الإشكال المطروح لا يتعلق فقط بتعارض نصين، بل يكشف عن ثغرة تشريعية حقيقية تستدعي تدخلا لتأطير العلاقة بينهما وضمان انسجام المنظومة القانونية. فالتحدي الاكبر، لا يكمن في تمكين القاصر، بل في تأطير هذا التمكين بضمانات تحول دون الإضرار بمصالحه الفضلى.


