الأستاذة مليكة حفيظ، قاضية سابقا ودكتورة في الحقوق
يشكل إصلاح الإدارة العمومية أحد أهم الأوراش الاستراتيجية التي انخرط فيها المغرب خلال السنوات الأخيرة، باعتبار أن الإدارة تمثل الواجهة الأولى للدولة، وتعكس مدى احترامها لحقوق المرتفقين وقدرتها على مواكبة متطلبات التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
وفي هذا السياق، صدر القانون رقم 55.19 المتعلق بتبسيط المساطر والإجراءات الإدارية ليترجم التوجيهات الملكية الداعية إلى تحديث الإدارة، وترسيخ مبادئ الحكامة الجيدة، وتعزيز الثقة بين الإدارة والمرتفق، والانتقال من إدارة تقوم على تعقيد المساطر وكثرة الوثائق إلى إدارة حديثة تعتمد الرقمنة والشفافية والنجاعة.
غير أن مرور ما يقارب ست سنوات على دخول هذا القانون حيز التنفيذ يفرض التساؤل حول مدى نجاحه في تحقيق أهدافه، ومدى قدرته على إحداث تحول حقيقي في علاقة المواطن بالإدارة، أم أن الممارسة العملية ما تزال تكشف عن استمرار معيقات تحد من فعالية هذا الإصلاح.
أولًا: فلسفة القانون رقم 55.19... من منطق الإثبات إلى منطق الثقة
جاء القانون رقم 55.19 بفلسفة جديدة في تدبير العلاقة بين الإدارة والمرتفق، قوامها الانتقال من منطق الشك والإثبات إلى منطق الثقة والمسؤولية، وذلك من خلال تكريس مجموعة من المبادئ الأساسية، أهمها تبسيط المساطر والإجراءات الإدارية، وتقليص الوثائق المطلوبة، ومنع مطالبة المرتفق بالوثائق المتوفرة لدى الإدارات العمومية، واعتماد التصريح بالشرف في حالات محددة، وتحديد آجال قانونية للبت في الطلبات، وإلزام الإدارات بتسليم وصل الإيداع، إضافة إلى رقمنة المساطر ونشرها عبر البوابة الوطنية "إدارة".
ويجسد هذا التحول إرادة المشرع في جعل الإدارة في خدمة المواطن، بدل أن يكون المواطن رهينًا لتعقيدات الإدارة.
ثانيًا: حصيلة تنزيل القانون بين المكتسبات والإكراهات
أفرز تنزيل القانون مجموعة من النتائج الإيجابية، حيث تم جرد ونشر حوالي 3000 مسطرة إدارية عبر البوابة الوطنية، وتصنيف نحو 140 مسطرة خاصة بالجماعات الترابية، إلى جانب حذف 22 شهادة إدارية وتعويضها بالتصريح بالشرف أو بتبادل المعلومات بين الإدارات.
كما شهدت قطاعات الضرائب، والمحافظة العقارية، والسجل التجاري، والجمارك، والاستثمار تقدمًا ملحوظًا في مجال الرقمنة، مما ساهم في تقليص جزء من البيروقراطية وتحسين مناخ الأعمال.
وعلى المستوى الدولي، حقق المغرب تقدمًا في مؤشر الأمم المتحدة لتنمية الحكومة الإلكترونية، حيث انتقل من المرتبة 101 عالميًا سنة 2022 إلى المرتبة 90 سنة 2024، وهو ما يعكس تحسنًا في الخدمات الرقمية والبنية التحتية الرقمية، مع استمرار الحاجة إلى تسريع وتيرة الإصلاح لتحقيق أهداف برنامج "المغرب الرقمي 2030" الرامية إلى إدراج المغرب ضمن أفضل خمسين دولة عالميًا.
غير أن هذه المكتسبات لا تخفي استمرار عدد من الإكراهات العملية، أبرزها تفاوت مستوى الرقمنة بين الإدارات، وضعف قابلية التشغيل البيني بين الأنظمة المعلوماتية، واستمرار بعض الإدارات في مطالبة المرتفقين بوثائق يفترض أن تتبادلها الإدارات فيما بينها، فضلاً عن استمرار بعض الممارسات الإدارية التقليدية التي تحد من الأثر الحقيقي للإصلاح.
وتنسجم هذه الملاحظات مع ما خلص إليه كل من المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي واللجنة الخاصة بالنموذج التنموي الجديد، اللذين أكدا أن نجاح الإصلاح الإداري لا يقاس بعدد الخدمات الرقمية أو المنصات الإلكترونية، وإنما بمدى تحسين تجربة المرتفق، وجودة الخدمة العمومية، واعتماد مبدأ "مرة واحدة فقط" في الإدلاء بالوثائق، وتعزيز التنسيق بين الإدارات.
ثالثًا: الإشكالات القانونية والقضائية التي كشف عنها التطبيق
كشف التطبيق العملي للقانون رقم 55.19 عن عدد من الإشكالات القانونية التي قد تشكل موضوعًا لمنازعات أمام القضاء الإداري.
فأول هذه الإشكالات يتعلق باحترام الآجال القانونية للبت في الطلبات، إذ ألزم القانون الإدارات بآجال محددة، دون أن يرتب جزاءً قانونيًا صريحًا عند تجاوزها، الأمر الذي يترك للقضاء الإداري مهمة تقدير آثار هذا الإخلال في ضوء مبادئ المشروعية والأمن القانوني وحماية حقوق المرتفقين.
كما يثير استمرار مطالبة بعض الإدارات بوثائق ألغاها القانون إشكالًا قانونيًا يرتبط بمبدأ الشرعية، إذ لا يجوز للإدارة إضافة شروط أو وثائق لم ينص عليها القانون، وإلا عد ذلك مخالفة للمشروعية، وقد يشكل أساسًا للطعن في القرار الإداري أو لقيام مسؤولية الإدارة عند تحقق الضرر.
ومن جهة أخرى، فإن ضعف تبادل المعطيات بين الإدارات يؤدي عمليًا إلى نقل عبء التنسيق إلى المواطن، وهو ما يتعارض مع فلسفة القانون القائمة على تبسيط المساطر وتخفيف الأعباء الإدارية.
كما تثير الرقمنة بدورها تحديات قانونية مهمة، تتعلق بحماية المعطيات ذات الطابع الشخصي، وضمان الولوج المنصف إلى الخدمات الرقمية، خاصة بالنسبة للفئات التي تعاني من الهشاشة الرقمية، فضلاً عن تحديد مسؤولية الإدارة في حالة الأعطاب التقنية التي تحول دون إيداع الطلبات أو احترام الآجال القانونية.
وفي هذا الإطار، يبرز الدور المحوري للقضاء الإداري في تحقيق التوازن بين متطلبات تحديث الإدارة وضمان الحقوق والحريات، من خلال تكريس مبادئ الأمن القانوني، والمساواة، واستمرارية المرفق العام، وربط المسؤولية بالمحاسبة.
رابعًا: آفاق تطوير ورش تبسيط المساطر والإجراءات الإدارية
تؤكد التجربة أن نجاح القانون رقم 55.19 لا يتوقف على جودة النص التشريعي، وإنما يرتبط بفعالية تنزيله. ومن ثم، فإن تطوير هذا الورش يقتضي مراجعة بعض المقتضيات لإقرار جزاءات أوضح عند عدم احترام الآجال القانونية، وتعميم الربط البيني بين الإدارات، وتفعيل مبدأ "مرة واحدة فقط" بصورة كاملة، وإحداث آلية وطنية لتتبع مدى احترام الإدارات لمقتضيات القانون، مع نشر مؤشرات سنوية لقياس الأداء.
كما يتطلب الإصلاح الاستثمار في تكوين الموارد البشرية، وترسيخ ثقافة خدمة المرتفق، وتطوير الرقمنة بشكل يضمن عدم إقصاء الأشخاص الذين يواجهون صعوبات في استعمال الوسائل الرقمية، حتى يظل التحول الرقمي رافعة للإدماج لا سببًا للإقصاء.
خامسا: قراءة نقدية في الاختيارات التشريعية للقانون رقم 55.19
لقد اعتمد المشرع المغربي، من خلال القانون رقم 55.19، مقاربة تشريعية حديثة تقوم على تبسيط المساطر، وتعزيز الثقة في المرتفق، ورقمنة الخدمات الإدارية. غير أن القراءة النقدية لهذا النص تكشف أن بعض الاختيارات التشريعية، رغم وجاهتها، لم تبلغ المستوى الكافي لضمان فعالية الإصلاح على أرض الواقع.
فأول ما يلفت الانتباه أن القانون ركز على تبسيط الإجراءات أكثر من تركيزه على ضمانات التنفيذ. إذ ألزم الإدارات باحترام آجال البت في الطلبات، ومنع مطالبة المرتفق بوثائق متوفرة لدى إدارات أخرى، لكنه لم يقرن هذه الالتزامات بجزاءات قانونية صريحة وفعالة في حالة مخالفتها، وهو ما جعل عدداً من مقتضياته أقرب إلى قواعد توجيهية منها إلى قواعد آمرة قابلة للإنفاذ.
كما أن القانون تبنى مبدأ الثقة في المواطن، وهو توجه ينسجم مع مبادئ الحكامة الجيدة، إلا أنه لم يحدد بدقة الآليات الكفيلة بحماية هذا المبدأ من الممارسات الإدارية التقليدية التي ما زالت، في بعض الحالات، تنطلق من منطق الشك والإفراط في طلب الوثائق.
ومن جهة أخرى، فإن المشرع افترض وجود إدارة رقمية مترابطة قادرة على تبادل المعطيات تلقائياً، بينما كشف الواقع أن ضعف قابلية التشغيل البيني بين الأنظمة المعلوماتية جعل المواطن، في حالات عديدة، يستمر في أداء دور الوسيط بين الإدارات، وهو ما يتعارض مع فلسفة القانون وأهدافه.
ويلاحظ أيضاً أن القانون لم ينص على آلية مستقلة لتتبع تنفيذ مقتضياته، أو إصدار تقارير دورية تقيس مدى احترام الإدارات لالتزاماتها، مما يجعل تقييم نجاعته رهيناً بتقارير المؤسسات الدستورية أو بالمبادرات الحكومية، دون وجود نظام قانوني خاص للمساءلة والتقييم.
ومن زاوية الصياغة التشريعية، كان بالإمكان أن يمنح المشرع للقاضي الإداري صلاحيات أوضح في مواجهة مخالفة الإدارة لمقتضيات هذا القانون، سواء من خلال ترتيب آثار قانونية على تجاوز الآجال، أو اعتبار طلب وثائق غير منصوص عليها قرينة على عدم مشروعية القرار الإداري، بما يعزز الأمن القانوني ويكرس حماية المرتفق.
وعليه، فإن نجاح القانون رقم 55.19 لا يقتضي فقط استكمال التحول الرقمي، وإنما يقتضي أيضاً استكمال البناء التشريعي بإقرار ضمانات قانونية أكثر فعالية، وربط الالتزامات الإدارية بآليات للمراقبة والجزاء، حتى يتحول مبدأ تبسيط المساطر من إعلان تشريعي إلى حق فعلي يتمتع به كل مرتفق.
وختاما، يشكل القانون رقم 55.19 محطة أساسية في مسار تحديث الإدارة المغربية، إذ أرسى إطارًا قانونيًا متقدمًا يقوم على الثقة والشفافية وتبسيط المساطر. غير أن التجربة أبرزت أن الانتقال من النص إلى الممارسة يظل التحدي الحقيقي، لأن نجاح الإصلاح الإداري لا يتحقق بمجرد سن القوانين، وإنما بمدى الالتزام بتطبيقها، وتغيير الثقافة الإدارية، وتعزيز التنسيق بين مختلف المتدخلين.
ومن ثم، فإن الرهان المستقبلي لم يعد يكمن في إنتاج نصوص تشريعية جديدة، بقدر ما يتمثل في ضمان التنفيذ الفعال للمقتضيات القائمة، حتى تصبح الإدارة المغربية إدارة ذكية، مندمجة، متمحورة حول المرتفق، وقادرة على مواكبة متطلبات النموذج التنموي الجديد وتعزيز ثقة المواطن والمستثمر في المرفق العمومي.


