تُعد عاشوراء من المناسبات الدينية والاجتماعية الراسخة في الذاكرة الجماعية للمغاربة، حيث ارتبطت عبر التاريخ بقيم التضامن والتآزر وصلة الرحم وإدخال البهجة على الأطفال وإحياء عدد من العادات والتقاليد الشعبية التي شكلت جزءاً من الموروث الثقافي المغربي.
غير أن هذه المناسبة تشهد في السنوات الأخيرة مظاهر وسلوكات خطيرة انحرفت عن مقاصدها الاجتماعية والرمزية، وأصبحت تشكل تهديداً حقيقياً لسلامة الأشخاص والممتلكات والبيئة، وذلك من خلال الاستعمال العشوائي للمفرقعات والشهب الاصطناعية، ورشّ المواطنين بالماء أو بمواد كيميائية وملونات، ورشق المارة والسيارات بالبيض والحجارة، فضلاً عن إشعال العجلات المطاطية المستعملة داخل الأحياء السكنية وما يرافق ذلك من مخاطر جسيمة.
وتطرح هذه الممارسات تساؤلات جوهرية حول حدود حرية الاحتفال ومدى تدخل القانون لحماية الأفراد من الأضرار التي قد تنتج عن هذه الأفعال.
أولاً: الحق في الاحتفال وحدود احترام القانون
لا خلاف في أن الاحتفال بالمناسبات الدينية والثقافية يشكل مظهراً من مظاهر الحياة الاجتماعية للمواطنين، غير أن ممارسة هذا الحق تظل مقيدة باحترام حقوق الآخرين وسلامتهم الجسدية وحماية ممتلكاتهم والمحافظة على البيئة.
فالدستور المغربي لسنة 2011 كرس حماية الحقوق والحريات الأساسية، كما أكد على الحق في السلامة والأمن وحماية البيئة والتنمية المستدامة، بما يجعل أي ممارسة تعرض الغير للخطر أو تلحق بهم أضراراً جسدية أو مادية أو بيئية خارجة عن نطاق الاحتفال المشروع.
ومن ثم فإن حرية الاحتفال لا يمكن أن تتحول إلى مبرر للاعتداء على الأشخاص أو الإضرار بالممتلكات أو المساس بالحق في بيئة سليمة.
ثانياً: الأطفال ضحايا قبل أن يكونوا فاعلين
من المؤسف أن الأطفال الذين يقبلون على استعمال المفرقعات والشهب الاصطناعية هم أنفسهم أول ضحاياها.
ففي كل موسم عاشوراء تسجل مصالح المستعجلات وأقسام الحروق وطب العيون عدداً من الإصابات الخطيرة الناتجة عن سوء استعمال هذه المواد، ومن بينها:
فقدان البصر الجزئي أو الكلي.
حروق متفاوتة الخطورة بالوجه والجسم.
بتر الأصابع أو تشوهات دائمة باليدين.
إصابات قد تتحول إلى عاهات مستديمة ترافق الضحية مدى الحياة.
وتزداد خطورة هذه الحوادث عندما يتعلق الأمر بقاصرين لا يدركون طبيعة المخاطر التي يتعرضون لها أو النتائج المترتبة عن أفعالهم.
ثالثاً: المفرقعات من وسيلة للهو إلى أداة للإيذاء
من الناحية القانونية، لا ينظر القانون الجنائي إلى المفرقعات باعتبارها لعبة أو وسيلة للترفيه، وإنما ينظر إلى النتائج المترتبة عن استعمالها.
فإذا تسبب استعمال المفرقعات في إصابة شخص بجروح أو عاهة مستديمة، فإن الفاعل قد يتابع من أجل جرائم الضرب والجرح أو العنف المفضي إلى عاهة مستديمة.
أما إذا أدى الانفجار إلى فقدان العين أو بتر عضو أو فقدان منفعته، فإن الأمر قد يرقى إلى جناية خطيرة تستوجب عقوبات سالبة للحرية مشددة قد تصل إلى عدة سنوات من السجن.
كما أن التسبب في وفاة شخص نتيجة الاستعمال المتهور للمفرقعات قد يرتب مسؤولية جنائية جسيمة قد تصل إلى عقوبات جنائية ثقيلة بحسب ظروف الواقعة ونتائجها.
رابعاً: رشّ المواطنين بالماء والمواد المؤذية
ارتبط رشّ الماء في بعض المناطق المغربية بطقوس عاشوراء في إطار رمزي واحتفالي، غير أن بعض الممارسات الحديثة أفرغته من معناه الاجتماعي وحولته إلى شكل من أشكال الإيذاء.
وتزداد خطورة الأمر عندما يتم خلط الماء بمواد التنظيف أو المبيضات الكيميائية أو الملونات الصناعية، مما قد يؤدي إلى:
إصابات وحروق جلدية.
أضرار خطيرة بالعينين.
إتلاف الملابس والممتلكات.
التسبب في حوادث السير عند استهداف مستعملي الطريق.
وفي هذه الحالات تقوم المسؤولية القانونية متى ثبتت علاقة السببية بين الفعل والضرر الحاصل.
خامساً: رشق المواطنين والسيارات بالبيض والحجارة
من المظاهر الدخيلة على الاحتفال بعاشوراء قيام بعض القاصرين أو الشباب برشق المارة والسيارات بالبيض أو الحجارة أو غيرها من المقذوفات.
وهذه الأفعال لا تدخل ضمن أي مظهر من مظاهر الاحتفال المشروع، بل تشكل اعتداءً على الأشخاص والممتلكات وقد تؤدي إلى إصابات جسدية أو حوادث سير أو خسائر مادية، بما يترتب عنه قيام المسؤولية القانونية في حق مرتكبيها.
سادساً: إحراق العجلات المطاطية بين تهديد السلامة العامة والإضرار بالبيئة
يُعد إشعال العجلات المطاطية المستعملة داخل الأحياء السكنية من أخطر الممارسات التي أصبحت ترافق عاشوراء في بعض المناطق. فهذه السلوكات لا تقتصر مخاطرها على احتمال اندلاع حرائق يصعب التحكم فيها أو انتقال النيران إلى المنازل والسيارات المجاورة، بل قد تؤدي أيضاً إلى إصابات وحروق بليغة وحالات اختناق بسبب الأدخنة السامة، فضلاً عن تعرض الأطفال والشباب لخطر السقوط وسط ألسنة اللهب أثناء القفز فوقها.
ولا يقتصر أثر هذه الممارسات على مرتكبيها، بل يمتد إلى جميع سكان الأحياء والمارة ومستعملي الطريق، كما ينعكس سلباً على البيئة والصحة العامة. فاحتراق العجلات المطاطية يؤدي إلى انبعاث غازات ومواد كيميائية سامة تلوث الهواء وتضر بصحة المواطنين، خاصة الأطفال وكبار السن ومرضى الجهاز التنفسي، إضافة إلى ما تسببه مخلفات المفرقعات والنفايات المختلفة من تلويث للفضاءات العامة وتشويه للمشهد الحضري.
ومن ثم فإن مكافحة هذه الظاهرة لا تندرج فقط في إطار حماية السلامة العامة، بل تشكل أيضاً مساهمة في حماية البيئة وصون حق المواطنين، الذي يكفله الدستور، في العيش داخل بيئة سليمة وآمنة ومتوازنة.
سابعا: العقوبات الجنائية المقررة لمرتكبي المفرقعات وأعمال العنف المرتبطة بعاشوراء
إذا كانت بعض الممارسات المرتبطة بعاشوراء تُقدم أحياناً على أنها مجرد مظاهر احتفالية أو ألعاب أطفال، فإن القانون الجنائي المغربي لا ينظر إلى هذه الأفعال من زاوية المناسبة التي ارتكبت فيها، وإنما من زاوية خطورتها والنتائج المترتبة عنها.
فكل من تسبب بواسطة مفرقعة أو مادة حارقة أو رشّ مواد كيميائية أو رشق الغير بمقذوفات في إلحاق ضرر بالسلامة الجسدية للغير، قد يتعرض للمتابعة الجنائية وفق مقتضيات مجموعة القانون الجنائي.
1- حالة الجروح والإصابات البسيطة
ينص الفصل 400 من القانون الجنائي على معاقبة كل من ارتكب عمداً جرحاً أو ضرباً أو أي نوع من أنواع العنف أو الإيذاء ضد الغير.
وعندما لا تتجاوز مدة العجز أو المرض الناتج عن الإصابة عشرين يوماً، فإن مرتكب الفعل يعاقب بالحبس من شهر واحد إلى سنة، وغرامة مالية، أو بإحدى هاتين العقوبتين.
وتنطبق هذه المقتضيات على حالات الإصابة الناتجة عن المفرقعات أو الرشق بالبيض أو الحجارة أو رشّ المواد المؤذية إذا ترتب عنها ضرر جسدي للضحية.
2- حالة الجروح الخطيرة والعجز الذي يفوق عشرين يوماً
إذا ترتب عن الاعتداء مرض أو عجز تتجاوز مدته عشرين يوماً، فإن العقوبة تصبح أشد، نظراً لخطورة الأضرار اللاحقة بالضحية.
وفي هذا الإطار يملك القضاء سلطة تقدير جسامة الضرر ومدى تأثيره على الحياة اليومية للضحية عند تحديد العقوبة المناسبة.
3- حالة فقدان العين أو حدوث عاهة مستديمة
تعتبر هذه الحالة من أخطر النتائج التي تسجل سنوياً بسبب المفرقعات.
فقد نص الفصل 402 من القانون الجنائي على أنه إذا نتج عن العنف أو الجرح أو الضرب فقدان عضو أو الحرمان من منفعته أو العمى أو العور أو أي عاهة مستديمة أخرى، فإن العقوبة تكون السجن من خمس سنوات إلى عشر سنوات.
وبالتالي فإن فقدان طفل لإحدى عينيه بسبب مفرقعة، أو إصابة شخص بعاهة دائمة نتيجة رشّ مواد كيميائية أو بسبب السقوط في نار مشتعلة، لا يعد حادثاً عرضياً بسيطاً، بل قد يشكل جناية معاقباً عليها بعقوبة سالبة للحرية تصل إلى عشر سنوات.
4- حالة الوفاة الناتجة عن العنف
قد تتطور بعض هذه التصرفات إلى نتائج مأساوية، كوفاة شخص نتيجة انفجار مفرقعة أو حروق ناتجة عن إشعال العجلات المطاطية أو حادثة سير تسبب فيها رشّ الماء على السائقين.
وفي هذه الحالة ينص الفصل 403 من القانون الجنائي على عقوبات جنائية مشددة عندما يفضي العنف أو الجرح إلى الموت دون نية إحداثه.
وهي عقوبات تعكس خطورة المساس بالحق في الحياة الذي يعد من أسمى الحقوق التي يحميها القانون.
5- إتلاف السيارات والممتلكات الخاصة
لا تقتصر المسؤولية القانونية على الأضرار الجسدية فحسب، بل تمتد إلى كل ضرر يلحق بالممتلكات.
فكل من تعمد إتلاف سيارة أو واجهة منزل أو محل تجاري أو إلحاق أضرار بممتلكات الغير بواسطة المفرقعات أو الحجارة أو البيض أو النيران، يكون عرضة للمساءلة الجنائية والمدنية معاً.
كما يحق للمتضررين المطالبة بالتعويض الكامل عن الأضرار اللاحقة بهم أمام القضاء.
6- المسؤولية عن إشعال العجلات المطاطية
إن إضرام النار في العجلات المطاطية داخل الأحياء السكنية أو بالقرب من المنازل والسيارات لا يشكل فقط خطراً على الأشخاص، بل قد يؤدي إلى نشوب حرائق وإلى انبعاث مواد سامة مضرة بالصحة والبيئة.
وإذا ترتب عن هذه الأفعال إصابة أشخاص أو إتلاف ممتلكات أو وفاة أحد المشاركين أو المارة، فإن مرتكبيها يتحملون المسؤولية الجنائية الكاملة بحسب النتائج المترتبة عن أفعالهم.
7- القاصر لا يفلت من المساءلة القانونية
رغم أن المشرع المغربي يعتمد مقاربة تربوية وحمائية في التعامل مع الأحداث، فإن القاصر الذي يرتكب أفعالاً خطيرة لا يكون بمنأى عن المساءلة.
فيمكن لقاضي الأحداث أن يتخذ في حقه تدابير قانونية مختلفة، من بينها الوضع تحت المراقبة أو الإيداع بمؤسسات الرعاية والإصلاح أو اتخاذ تدابير تربوية مناسبة.
كما تبقى المسؤولية المدنية للأبوين أو لمن يتولى الرقابة قائمة تجاه الأضرار التي يتسبب فيها أبناؤهم القاصرون للغير.
إن استحضار هذه المقتضيات القانونية لا يراد منه التخويف أو التضييق على مظاهر الاحتفال، وإنما يهدف إلى ترسيخ الوعي بأن حرية الاحتفال تقف عند حدود سلامة الآخرين.
فالمفرقعة التي تبدو للبعض مجرد لعبة قد تتحول في لحظة واحدة إلى جناية، وقد يتحول مزاح عابر إلى ملف قضائي ينتهي بعقوبة سالبة للحرية وتعويضات مالية ثقيلة وعاهات مستديمة لا تمحى آثارها مدى الحياة.
ثامنًا ً: المسؤولية المدنية والتعويض عن الأضرار
لا تقتصر آثار هذه الأفعال على العقوبات الجنائية فقط، بل قد تترتب عنها أيضاً مسؤولية مدنية تلزم مرتكبيها بتعويض الضحايا عن كافة الأضرار الجسدية والمادية والمعنوية التي لحقت بهم.
ويحق لكل متضرر المطالبة بالتعويض أمام القضاء عن تكاليف العلاج والخسائر المادية والأضرار المعنوية التي أصابته نتيجة هذه الأفعال.
كما تبقى مسؤولية الآباء أو الأشخاص المكلفين برقابة القاصرين قائمة وفقاً للقواعد القانونية المنظمة للمسؤولية المدنية عن أفعال الأبناء القاصرين.
تاسعًا ً: مسؤولية الأسرة والسلطات العمومية
إن الحد من هذه السلوكات لا يمكن أن يتحقق بالزجر وحده، بل يقتضي تضافر جهود الأسرة والمدرسة ووسائل الإعلام والسلطات العمومية.
فالأسرة مطالبة بتوعية أبنائها بخطورة هذه الممارسات ومراقبة استعمالهم للمفرقعات والمواد الخطرة.
كما أن السلطات العمومية مطالبة بمواصلة مراقبة بيع المفرقعات وحجز المواد المهربة والخطرة، ومنع إحراق العجلات المطاطية بالأماكن العمومية، وتعزيز الحملات التحسيسية الرامية إلى نشر ثقافة الاحتفال المسؤول.
وختاما، فإن عاشوراء مناسبة للفرح والتآخي والتضامن، وليست مناسبة لإلحاق الأذى بالناس أو تعريض الأطفال للخطر أو الإضرار بالممتلكات أو تلويث البيئة.
فالحفاظ على الموروث الثقافي لا يكون بإحياء الممارسات الخطرة، وإنما بإحياء القيم النبيلة التي ارتبطت بهذه المناسبة عبر التاريخ، وفي مقدمتها التضامن والتراحم والتعايش واحترام الغير.
وعندما تتحول المفرقعات إلى سبب لفقدان البصر، ويتحول رشّ الماء إلى اعتداء، وتتحول النيران إلى مصدر للحروق والاختناق والتلوث، فإن الأمر يخرج من دائرة الاحتفال المشروع ويدخل في دائرة الأفعال التي تستوجب المساءلة القانونية.
إن سيادة القانون تقتضي أن تنتهي حرية الاحتفال عند النقطة التي يبدأ فيها الإضرار بالغير، لأن سلامة الإنسان وكرامته وحماية البيئة تظل فوق كل اعتبار.
أرى أن هذه الصيغة أكثر ملاءمة للنشر الصحفي أو الأكاديمي، لأنها تجمع بين التحليل القانوني والبعد الحقوقي والتربوي والبيئي، مع خاتمة قوية تُبرز التوازن بين صون التراث الشعبي واحترام دولة القانون.


