الأستاذة مليكة حفيظ قاضية سابقا ودكتورة في الحقوق
أعاد قرار محكمة النقض المغربية عدد 1870 الصادر بتاريخ 16 أبريل 2024 فتح النقاش حول الحدود القانونية لاستخدام كاميرات المراقبة من طرف الخواص، خاصة داخل المجال السكني. وقد جاء هذا القرار ليؤكد أن حماية الممتلكات والأشخاص، رغم مشروعيتها، لا يمكن أن تتم خارج الإطار القانوني المنظم لحماية الحياة الخاصة والمعطيات ذات الطابع الشخصي، وعلى رأسها القانون رقم 09.08 ومقتضياته التنظيمية.
أولاً: التأطير القانوني لكاميرات المراقبة كمعالجة للمعطيات الشخصية
كرّس القرار توجهًا قضائيًا واضحًا مفاده أن أنظمة المراقبة البصرية لا تُعد مجرد وسائل تقنية محايدة، بل تشكل معالجة للمعطيات ذات الطابع الشخصي كلما ترتب عنها تصوير أو تسجيل أو تتبع أشخاص طبيعيين.
وبناءً عليه، فإن استعمال هذه الوسائل يظل خاضعًا لالتزامات قانونية متعددة، أبرزها:
_ احترام مبدأ المشروعية في المعالجة.
_ الإشعار المسبق للأشخاص المعنيين.
_ وضع علامات تشوير واضحة ومعلنة.
_ والخضوع، عند الاقتضاء، لمسطرة التصريح أو الترخيص.
ثانياً: إشكالية الإذن المسبق ودور اللجنة الوطنية لحماية المعطيات
يُثير القرار بشكل ضمني، وإن لم يفصل فيه صراحة، مسألة محورية تتعلق بمدى احترام الإطار المؤسساتي الذي يفرضه القانون، وخاصة دور اللجنة الوطنية لمراقبة حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي (CNDP).
فالقانون 09.08 لا يكتفي بواجب الإخبار، بل يُخضع بعض أنظمة المراقبة لرقابة مسبقة عبر التصريح أو الترخيص. ومن ثم، فإن غياب أي دليل على استيفاء هذا الإجراء يُعد مؤشراً على عدم مشروعية تشغيل نظام المراقبة، بصرف النظر عن دوافعه الأمنية.
ثالثاً: التوازن بين الحق في الأمن والحق في الخصوصية
أكدت محكمة النقض من خلال هذا القرار أن الحق في حماية الممتلكات والأشخاص لا يمكن أن يتحول إلى مبرر مطلق لتقييد الحياة الخاصة للغير.
فحتى في السياقات التي تتسم بارتفاع المخاطر الأمنية، يظل استعمال كاميرات المراقبة خاضعاً لمبدأ التناسب، الذي يقتضي:
■ضرورة الإجراء الأمني.
■محدودية نطاق المراقبة.
■احترام أقل قدر ممكن من التدخل في الحياة الخاصة.
غير أن المحكمة ركزت أساساً على الخرق الإجرائي (غياب الإشعار)، معتبرة أنه كافٍ لتبرير إقرار إزالة الكاميرات.
رابعاً: الأثر الاجتهادي للقرار
يحمل هذا القرار دلالات اجتهادية مهمة، أبرزها:
_ تعزيز الطبيعة الإلزامية لقانون حماية المعطيات الشخصية في المجال المدني.
_ اعتبار وسائل المراقبة غير المشروعة سببًا كافيًا لإبطال آثارها القانونية.
_ تكريس دور القضاء في ضبط التوازن بين الأمن والخصوصية في الفضاء السكني.
تأكيد مركزية رقابة CNDP في أي معالجة للمعطيات البصرية.
وختاما، فإن قرار محكمة النقض محل التعليق يؤسس لمرحلة قضائية جديدة، مفادها أن الأمن الفردي، مهما كانت مبرراته، لا يُمارس خارج منظومة قانونية صارمة تُخضع كل أشكال المراقبة لمقتضيات الشفافية والترخيص والرقابة المؤسساتية. وبذلك، يتحول الحق في حماية الحياة الخاصة إلى معيار حاكم لأي استعمال لتقنيات المراقبة داخل المجال الخاص.


