الدكتور جمال الدير بوقار، رئيس الجمعية المغربية للاستثمار
ما وقع في سبتة لا ينبغي أن يُقرأ فقط من زاوية أمنية أو باعتباره حادثًا معزولًا، بل يجب اعتباره رسالة اجتماعية واقتصادية تستحق التوقف عندها بهدوء ومسؤولية. فالشباب الذين خاطروا بحياتهم لم يكونوا جميعًا مدفوعين بالفقر وحده، بل كان بينهم من فقد الثقة في المستقبل، أو شعر بأن فرص تحقيق الذات أصبحت بعيدة المنال.
لا يمكن إنكار أن الحكومة الحالية حققت مجموعة من الإنجازات في مجالات البنية التحتية، والحماية الاجتماعية، والاستثمار، وتحسين عدد من المؤشرات الاقتصادية. كما أن المغرب يشهد أوراشًا استراتيجية كبرى تعزز مكانته الإقليمية والدولية.
غير أن نجاح السياسات العمومية لا يُقاس فقط بحجم المشاريع أو الأرقام، وإنما أيضًا بمدى انعكاسها على شعور المواطن، وخاصة الشباب، بالأمل والانتماء وإمكانية بناء مستقبل داخل وطنه.
إن أحداث سبتة تكشف أن جزءًا من الشباب ما زال يشعر بوجود فجوة بين ما يتحقق على مستوى التنمية الوطنية وبين ما يعيشه في حياته اليومية. وهذه الفجوة ليست اقتصادية فقط، بل هي أيضًا نفسية واجتماعية وتواصلية.
لذلك، فإن المرحلة المقبلة تستدعي تطوير سياسات عمومية للشباب أكثر نجاعة، تقوم على:
* الإنصات الحقيقي لانشغالات الشباب بدل الاكتفاء بالحديث عنهم.
* تعزيز فرص الشغل وريادة الأعمال وربط التكوين بحاجيات سوق العمل.
* الاهتمام بالصحة النفسية وبناء الثقة والأمل لدى الأجيال الصاعدة.
* توسيع فضاءات المشاركة المدنية والسياسية والثقافية حتى يشعر الشباب بأنهم شركاء في صناعة المستقبل.
* الاستثمار في التنمية البشرية إلى جانب الاستثمار في البنيات التحتية.
إن المغرب اليوم يمتلك كل المقومات ليكون بلدًا جاذبًا لأبنائه قبل أن يكون جاذبًا للاستثمارات. وتحويل هذه الرؤية إلى واقع يتطلب أن يكون الشباب في صلب السياسات العمومية، لا باعتباره تحديًا ينبغي احتواؤه، بل باعتباره الثروة الحقيقية القادرة على قيادة التحول التنموي.
إن ما وقع في سبتة يجب أن يكون مناسبة للتقييم والتصحيح، لا لتبادل الاتهامات. فالدول القوية هي التي تحول الأزمات إلى فرص للمراجعة والتطوير، وتستمع إلى رسائل شبابها قبل أن تتحول إلى أزمات أكبر
بقلم: الدكتور جمال الدين بوقار
خبير في نمو المقاولات ، علم النفس المعرفي والتنمية البشرية
رئيس الجمعية المغربية للاستثمار
رئيس جمعية مركز كفاءات للتشغيل والمقاولة


