جمال الدين بوقار
تؤكد التوقعات الأخيرة للبنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية أن المغرب يواصل ترسيخ مكانته كأحد أكثر الاقتصادات دينامية في منطقة جنوب وشرق المتوسط، مع توقع نمو اقتصادي يبلغ 4.4% سنة 2026 و4% سنة 2027، بعد تسجيل نمو مرتقب في حدود 4.6% خلال سنة 2025. وهي أرقام تعكس، دون شك، متانة الاقتصاد الوطني وقدرته على التكيف مع محيط دولي يتسم بتزايد حالة عدم اليقين وتعدد بؤر التوتر الجيوسياسي.
غير أن أهمية هذه المؤشرات لا تكمن فقط في الأرقام المجردة، بل في الرسائل الاقتصادية التي تحملها. فاستمرار المغرب في تحقيق معدلات نمو تفوق متوسط العديد من الاقتصادات الناشئة والمتقدمة يؤكد نجاح مجموعة من الخيارات الاستراتيجية التي اعتمدتها المملكة خلال العقدين الأخيرين، سواء في مجال البنيات التحتية أو التنويع الصناعي أو تعزيز جاذبية الاستثمار.
لقد لعب قطاع السياحة دوراً محورياً في هذا الأداء، مستفيداً من استعادة الحركة السياحية العالمية ومن المكانة المتنامية للمغرب كوجهة دولية تجمع بين الاستقرار والتنوع الثقافي والطبيعي. كما واصلت تحويلات المغاربة المقيمين بالخارج أداء دورها الحيوي في دعم الاستهلاك الداخلي وتعزيز احتياطات العملة الصعبة، مما ساهم في الحفاظ على توازنات الاقتصاد الكلي.
لكن رغم هذه المعطيات الإيجابية، فإن المرحلة المقبلة تستدعي قراءة أكثر عمقاً لمفهوم النمو الاقتصادي. فالنمو الحقيقي لا يقاس فقط بارتفاع الناتج الداخلي الخام، بل بقدرته على خلق فرص الشغل وتحسين مستويات الدخل ورفع إنتاجية المقاولات وتعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني.
ومن هذا المنطلق، فإن التحدي الأكبر أمام المغرب يتمثل في تحويل النمو المسجل إلى قيمة مضافة مستدامة. فالمقاولات المغربية، وخاصة الصغرى والمتوسطة منها، مطالبة اليوم بالانتقال إلى نماذج أكثر ابتكاراً ومرونة، قائمة على الرقمنة والاستثمار في الرأسمال البشري وتطوير القدرات التكنولوجية. فاقتصاد المستقبل لن يُبنى فقط على الموارد التقليدية، بل على المعرفة والابتكار والقدرة على التكيف السريع مع التحولات العالمية.
كما أن السياق الدولي الحالي يفتح أمام المغرب فرصاً استراتيجية واعدة. فإعادة تشكيل سلاسل التوريد العالمية، وتسارع التحول نحو الاقتصاد الأخضر، وتنامي الاستثمارات المرتبطة بالطاقات المتجددة والصناعة المتقدمة، كلها عوامل يمكن أن تمنح المملكة موقعاً متقدماً ضمن الخريطة الاقتصادية الإقليمية والدولية إذا ما تم استثمارها بالشكل الأمثل.
وفي المقابل، تبقى بعض التحديات قائمة، وعلى رأسها تعزيز التشغيل، وتحسين إنتاجية النسيج المقاولاتي، وتقليص الفوارق المجالية، وضمان استدامة الموارد المائية التي أصبحت عاملاً حاسماً في معادلة التنمية الاقتصادية خلال السنوات المقبلة.
إن الأرقام التي يقدمها البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية تدعو إلى التفاؤل، لكنها في الوقت نفسه تضع أمامنا مسؤولية جماعية تتمثل في تحويل هذا الزخم الاقتصادي إلى تنمية شاملة يشعر المواطن بأثرها المباشر في حياته اليومية. فنجاح أي اقتصاد لا يقاس فقط بسرعة نموه، بل بقدرته على توزيع ثمار هذا النمو وتحويلها إلى فرص حقيقية للعيش الكريم والإبداع والاستثمار.
وبين مؤشرات الأداء الإيجابية وتحديات المستقبل، يمتلك المغرب اليوم فرصة حقيقية للانتقال إلى مرحلة جديدة من التنمية، قوامها اقتصاد أكثر إنتاجية، ومقاولات أكثر تنافسية، ورأسمال بشري أكثر تأهيلاً، بما يعزز مكانة المملكة كقطب اقتصادي صاعد في المنطقة المتوسطية


