خالد العطاوي، صحافي مهني
لا يمكن لأي مؤسسة أن تكتسب شرعيتها إذا كانت نقطة انطلاقها محل شك، والأمر ليست قاعدة خاصة بالصحافة، بل مبدأ ديمقراطي بسيط حول "من يملك حق التصويت؟ "، فإذا اختل الجواب، اختلت معه بقية العملية، مهما كانت الشعارات براقة، ومهما ارتفعت الأصوات المطالبة بالإصلاح.
ومع اقتراب انتخاب أعضاء المجلس الوطني للصحافة، يعود السؤال إلى الواجهة بإلحاح أكبر، فأولوية الأوليات أن ينصرف أعضاء اللجنة المؤقتة للمجلس للاهتمام بالقاعدة التي ستبنى عليها الانتخابات برمتها، وهي تحيين لوائح الصحافيين المهنيين، ضمانا لنزاهة الاستحقاق ومصداقية المؤسسة التي ستنبثق عنه.
لقد تغير المشهد الإعلامي خلال السنوات الأخيرة بصورة عميقة، فمنذ فترة جائحة كورونا، غادر عدد من الصحافيين المهنة بسبب التقاعد أو تغيير المسار المهني، بينما التحق آخرون بقطاعات مختلفة، وتوقفت مؤسسات إعلامية عن النشاط، وظهرت أخرى. وفي المقابل، ظلت بعض الأسماء حاضرة في اللوائح، رغم أنها لم تعد تمارس المهنة، الأمر الذي يطرح أكثر من علامة استفهام حول دقة الهيئة الناخبة.
وليس من الإنصاف أن يدخل الصحافي الذي يمارس المهنة يوميا إلى صندوق الاقتراع، وهو لا يعلم إن كانت اللائحة الانتخابية تعكس حقيقة الجسم الصحافي أم أنها ما زالت تحمل أسماء لم يعد أصحابها جزءا منه، فالثقة في المؤسسات لا تبنى بالنيات الحسنة، وإنما بقواعد واضحة وشفافة لا تترك مجالا للتأويل أو التشكيك.
المؤسف أن التجارب السابقة خلفت انطباعات لا تليق بمهنة يفترض أنها تدافع عن قيم النزاهة والشفافية، إذ تابع كثيرون مظاهر من "الكولسة" والاصطفافات الضيقة، ووصل الأمر، في بعض الحالات، إلى تنظيم عمليات لاستمالة الأصوات وتوفير وسائل نقل للناخبين من مدن إلى أخرى دعما للوائح بعينها.
إن المجلس الوطني للصحافة ليس حزبا سياسيا، ولا نقابة تخوض صراعات انتخابية مفتوحة، بل مؤسسة للتنظيم الذاتي أنشئت لحماية المهنة، وصون أخلاقياتها، والدفاع عن استقلاليتها. ومن ثم، فإن نقل أمراض العمل السياسي أو النقابي إليها لن ينتج سوى مؤسسة ضعيفة، تبدأ ولايتها وهي محاصرة بالتشكيك في شرعيتها. ومن يعتقد أن نقل فيروس "الكولسة" من الأحزاب إلى المجلس الوطني للصحافة أمر ممكن، فهو واهم، ومن يسعى إلى نقل بعض أمراض النقابات والجمعيات مفلس حقا، حتى ولو تم استغلال حنان الصحافيين و رحابة صدرهم.


