انتهت، اليوم الاثنين 15 يونيو، داخل لجنة التعليم بمجلس المستشارين، فصول واحدة من أكثر المحطات التشريعية إثارة للجدل في تاريخ تنظيم مهنة الصحافة بالمغرب، بعدما تم تمرير مشروع القانون رقم 09.26 المتعلق بإعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة، في مشهد أثار الكثير من علامات الاستفهام حول جدية النقاش المؤسساتي واحترام التعددية داخل المؤسسة التشريعية.
فقد جرى التصويت على المشروع دون الأخذ بأي تعديل تقدمت به المعارضة، وكأن النقاش البرلماني لم يكن سوى إجراء شكلي لا أثر له على الصيغة النهائية للنص. والأخطر من ذلك أن مجلس المستشارين بدا وكأنه تحول إلى مجرد غرفة للتسجيل والمصادقة، بعدما تم تجاهل مختلف الملاحظات والانتقادات التي رافقت المشروع منذ الإعلان عنه، في مشهد اعتبره متابعون إهانة جديدة لدور المؤسسة التشريعية ووظيفتها الرقابية والتشريعية.
وإذا كان مضمون المشروع محل خلاف واسع داخل الجسم الصحافي والحقوقي، فإن طريقة تمريره لا تقل إثارة للقلق. فكيف يمكن لقانون يهم أحد أهم القطاعات المرتبطة بالحريات العامة والديمقراطية أن يمر بخمسة أصوات فقط مقابل ثلاثة أصوات رافضة وامتناع عضو واحد؟ وكيف يمكن اعتبار مثل هذا التصويت المحدود تعبيراً حقيقياً عن الإرادة التشريعية في قضية تمس مستقبل التنظيم الذاتي للصحافة المغربية؟
لقد بدا واضحاً أن تمرير المشروع تم في ظرفية سياسية وإعلامية خاصة، حيث انشغل الرأي العام بقضايا أخرى، بينما جرى اقتناص لحظة ضعف الاهتمام العمومي لتمرير نص أثار منذ البداية اعتراضات واسعة من مهنيين وهيئات حقوقية وتنظيمات صحافية اعتبرت أن المشروع يشكل تراجعاً عن فلسفة التنظيم الذاتي التي جاءت بها التجربة الأصلية للمجلس الوطني للصحافة.
ويبقى السؤال الجوهري: ماذا ربح الوزير من هذه المعركة؟ قد يكون نجح في تمرير مشروع القانون داخل المؤسسة التشريعية، لكنه خسر معركة الإقناع والثقة والتوافق. فالقوانين التي تنظم الحريات لا تقاس بعدد الأصوات التي تمررها، بل بمدى قبولها داخل الأوساط المعنية وبقدرتها على تعزيز الاستقلالية والمصداقية.
إن أكبر الخاسرين من هذا المسار ليس المعارضة البرلمانية ولا الهيئات المهنية التي عبرت عن رفضها، بل فكرة التنظيم الذاتي نفسها، التي شكلت أحد أهم المكاسب الحقوقية والمهنية التي راكمها المغرب خلال العقود الأخيرة. فبدل تطوير هذه التجربة وتعزيز استقلاليتها، اختارت الحكومة نهجاً يثير مخاوف حقيقية من إعادة الوصاية على قطاع يفترض أن يكون مستقلاً عن كل أشكال التحكم والتدخل.
قد يمر القانون اليوم، لكن الجدل حوله لن ينتهي. فالتاريخ التشريعي يعلمنا أن النصوص التي تفتقد إلى التوافق وإلى الشرعية المهنية والأخلاقية تظل محل نزاع مهما كانت قوتها القانونية. أما التنظيم الذاتي للصحافة، فإنه أكبر من أن يختزل في تصويت محدود أو في أغلبية ظرفية، لأنه في جوهره رهان ديمقراطي يتعلق بمستقبل حرية التعبير واستقلالية المهنة وحق المجتمع في إعلام حر ومسؤول.


