تطرح انتخابات المجلس الوطني للصحافة أسئلة تتجاوز مجرد التنافس على المقاعد، لتصل إلى جوهر التمثيلية المهنية ومعايير الاستحقاق لمن يفترض أن يتولى مسؤولية تدبير شؤون مهنة الصحافة والدفاع عن استقلاليتها وأخلاقياتها وحقوق العاملين فيها.
ومن بين الأسئلة التي تفرض نفسها اليوم: كيف يمكن لصحافي لم يستطع، طوال سنوات عمله داخل مؤسسته، أن يساهم حتى في تأسيس لجنة نقابية أو إطار للدفاع عن زملائه، أن يقدم نفسه فجأة باعتباره صوتاً للصحافيين ومرشحاً لتمثيلهم داخل مؤسسة يفترض أن تكون في صلب التنظيم الذاتي للمهنة؟
ليس المقصود هنا التشكيك في حق أي صحافي في الترشح، فهذا حق تكفله القواعد المنظمة للعملية الانتخابية، وإنما طرح سؤال مشروع حول المسار المهني والنضالي للمرشح: أين كان عندما تعرض زميل للطرد؟ وأين كان عندما طالبت فئة من الصحافيين بتحسين ظروف العمل؟ وأين كان عندما خرج الصحافيون إلى الشارع للاحتجاج على ممارسات اعتبروها مسيئة للمهنة أو منتقصة من حقوقهم؟
فالتمثيلية المهنية لا ينبغي أن تبدأ يوم فتح باب الترشيحات وتنتهي يوم إعلان النتائج. إنها مسؤولية تُبنى على مدى سنوات، من خلال المواقف والمبادرات والانخراط في قضايا الصحافيين، وليس فقط عبر تقديم ملف انتخابي وحملة دعائية وشعارات عامة.
والأكثر إثارة للجدل هو أن بعض المرشحين يقبلون، دون حرج، بدعم جهات تمثل مصالح المقاولات الصحافية وأرباب العمل، رغم أن العلاقة بين الصحافي والباطرونا ظلت تاريخياً محكومة بتعارضات ومطالب مرتبطة بالأجور والاستقرار المهني وحقوق التنظيم النقابي والاستقلالية التحريرية.
وهنا يصبح السؤال أكثر إلحاحاً: لمن سيكون صوت هؤلاء إذا وصلوا إلى المجلس؟
هل سيكون صوتاً مستقلاً ينحاز أولاً إلى المهنة والصحافيين، أم سيظل، بطريقة أو بأخرى، متأثراً بمن قدم الدعم والمساندة للوصول إلى موقع القرار؟
إن المشكلة ليست في أن يدعم أي طرف مرشحاً بعينه، وإنما في أن تتحول الانتخابات المهنية إلى وسيلة لإعادة إنتاج موازين القوة نفسها داخل مؤسسة يفترض أن تحمي استقلالية المهنة، وأن تكون فضاءً لتنظيمها الذاتي بعيداً عن هيمنة أي جهة، سواء كانت سياسية أو اقتصادية أو نقابية.
فالخطر الحقيقي يبدأ عندما تصبح الأصوات الانتخابية قابلة للتوجيه، وعندما يتحول المجلس الوطني للصحافة من مؤسسة يفترض أن تخدم المهنة إلى مجال لتصفية الحسابات أو حماية مصالح فئة على حساب أخرى.
ومن حق الصحافيين، بل من واجبهم، أن يسألوا كل مرشح: ماذا قدمت للمهنة قبل أن تطلب صوت الصحافيين؟ ما هي مواقفك عندما كان زملاؤك في مواجهة مع الإدارة؟ هل شاركت في الدفاع عن صحافي تعرض للظلم أو الفصل؟ هل وقفت إلى جانب زملائك في الاحتجاجات المهنية؟ وهل كنت مستعداً لتحمل كلفة الموقف عندما كان الصمت أكثر راحة؟
هذه الأسئلة ليست امتحاناً في النضالية، لكنها محاولة للتمييز بين من يريد أن يمثل الصحافيين ومن يريد فقط أن يكون عضواً في مؤسسة مهنية.
إن المجلس الوطني للصحافة يحتاج اليوم إلى أعضاء يستوعبون أن العضوية فيه ليست امتيازاً ولا وجاهة، وإنما تكليف ومسؤولية، وأن الدفاع عن استقلالية الصحافة يبدأ من استقلال قرار العضو نفسه.
ولذلك، فإن المعركة الحقيقية ليست بين أسماء ولوائح، وإنما بين تصورين: تصور يجعل المجلس مؤسسة مستقلة تعبر عن الصحافيين وتحمي المهنة، وتصور آخر قد يحوله إلى فضاء تتحكم فيه المصالح والعلاقات والحسابات.
وفي النهاية، يبقى القرار بيد الصحافيين أنفسهم. فالورقة التي يضعها الصحافي في صندوق الاقتراع ليست مجرد اختيار لاسم، وإنما تفويض لصاحبه كي يتحدث باسمه ويدافع عن مستقبل مهنته.
ولهذا، فإن السؤال الذي ينبغي أن يسبق التصويت بسيط وواضح: من وقف ضد الباطرونا عندما كنا في حاجة إليه؟ فهو من يستحق اليوم أن نضع بين يديه صوتنا؟


