محمد حفيظ، استاذ جامعي
قرأت خبرا نشرته عدة وسائل إعلام، يفيد بأن وزارة الداخلية الإسبانية أصدرت، اليوم الخميس، بلاغا تعلن فيه عن توصلها إلى اتفاق مع السلطات المغربية يقضي بالتنسيق من أجل تسريع إعادة الأشخاص الذين دخلوا مدينة سبتة بطريقة غير قانونية.
وفي انتظار أن نقرأ، نحن المغاربة، بلاغا صادرا عن وزارة الداخلية المغربية، يخرج فيه المسؤولون المغاربة عن صمتهم، فإن المشكلة ليست في الاتفاق أو التنسيق أو "تسريع الإعادة".
نعم، قد تنتهي المشكلة "الإسبانية" بإعادة من تنطبق عليهم إجراءات الإعادة، بعد موجة العبور الأخيرة إلى سبتة وارتفاع عدد الوافدين إليها، وذلك باتباع المساطر المنصوص عليها في القانون الإسباني والأوروبي، والإجراءات القضائية ذات الصلة، وبالآليات التي سيعتمدها التنسيق بين البلدين المعنيين (إسبانيا والمغرب). لكن المشكلة "المغربية" لن تنتهي لا بهذا الاتفاق ولا بإعادة من عبروا إلى سبتة.
إن المشكلة في الجوهر ليست إسبانية، لأن إسبانيا قد تجد طريقها إلى الحل بتنفيذ إجراءات الإعادة وفق القانون، وإنما المشكلة مغربية، لأنها لن تطوى بمجرد إعادة من تجاوزوا الحدود.
قد يكون هذا الاتفاق حلا بالنسبة إلى إسبانيا وسلطات سبتة المحتلة، لكنه لن يحل المشكلة التي تجسدها تلك المشاهد لآلاف المغاربة وهم يهربون من وطنهم.
إن هذا الاتفاق لن يجدي نفعا أمام هذا الهروب الجماعي الكبير من الوطن. ولن يكون هو الحل لما جرى ويجري أمام أنظارنا وأنظار العالم.
الأمر لا يتعلق بهجرة من بلد إلى آخر؛ فالهجرات رافقت البشر منذ وُجدوا على هذه الأرض، بل إن الكائن البشري حافظ على استمرار وجوده بفضل الهجرات التي لم تتوقف عبر تاريخه الطويل.
والأمر لا يتعلق حتى بـ"هجرة سرية"؛ فما تابعناه ونتابعه، أمس واليوم، بالصوت والصورة وعلى الهواء مباشرة، يبين أن الأمر أقرب إلى "هجرة علنية" بكل معنى الكلمة، جرت أمام أنظار الحراس هنا وهناك.
إن الأمر يتعلق بهروب جماعي، جمع الشاب والكهل، والرضيع والمراهق، والمرأة الحامل والفتاة العزباء، والأب والأم، وقد تحدثت تقارير عن هروب أسر كاملة، مثل تلك الصورة التي ظهر فيها أب وطفلته الصغيرة التي لم تكمل عقدها الأول. إنه هروب لم يَسْتَثْنِ عمرا ولا حالة اجتماعية.
إن مثل هذا الهروب الجماعي والعلني لا نتابعه، في الغالب، إلا في البلدان التي تعيش حروبا دموية، أو تواجه نزاعات داخلية (حروبا أهلية)، أو تعاني من انعدام الاستقرار السياسي، أو من انعدام الحد الأدنى من مقومات العيش.
ولأننا لا نعيش حربا، ولا نواجه نزاعا أهليا، ولا نعاني من انعدام الاستقرار السياسي، فإن ما شهدته الحدود (التي سنظل نصفها بـ"الوهمية") مع سبتة، يكشف أن هناك فئات واسعة من المغاربة، ومن مختلف الأعمار والجهات، تشعر بأنها لم تعد تتوفر على الحد الأدنى الذي يجعلها تتمسك بالبقاء في بلدها. ولذلك، تلهث وراء الهجرة، وتخاطر بهذا الهروب نحو المجهول؛ إنها تعتقد أن "المجهول" الذي تهاجر إليه سيكون أفضل من "المعلوم" الذي تعيشه. إنها تهرب من واقع معلوم إلى حلم مجهول.
لقد تحدث الملك في خطابه أمس، بمناسبة عيد العرش، عن الاستقرار، ووصفه بأنه "عملة نادرة لا تقدر بأي ثمن"، وذكر أنه "العامل الأساسي في معادلة التنمية".
كان الملك يتحدث عن "الاستقرار السياسي". ولكن "الاستقرار الاجتماعي" لا يقل عنه أهمية؛ فهو الاستقرار الذي يجعل المواطنين يفضلون الاستقرار في وطنهم، ويرون فيه مكانا للحياة والأمل. وحتى إذا أرادوا أن يهاجروا، يهاجرون بعزة وكرامة، لا بالهروب ومجابهة أمواج البحر وتسلق الجدران والأسلاك الشائكة.
نتذكر أن الملك كان في بداية عهده، بعد أسابيع على توليه الحكم، قد دعا إلى "مفهوم جديد للسلطة". ويبدو أننا اليوم في حاجة إلى "مفهوم جديد للاستقرار".
عودة إلى الاتفاق الذي أعلنت عنه وزارة الداخلية الإسبانية. لم يكن مستبعدا أن يتم الاتفاق على إعادة "المغاربة الهاربين"، و"تسليمهم" إلى سلطات بلدهم الذي هربوا منه. وسواء أكانت هذه الإعادة عاجلة، كما ترغب في ذلك السلطات الإسبانية، أم آجلة، فإنها ستجد طريقها إلى التنفيذ بهذه الصيغة أو تلك.
لكن ما الذي ستعيده الدولة المغربية إلى هؤلاء المواطنين بعد إعادتهم؟
ما الذي ستفعله لتقنعهم بالبقاء في بلدهم والتشبث بالعيش فيه؟
ما الذي ستفعله لتقنعهم بأن الاستقرار في بلدهم هو الخيار الأفضل؟
ما الذي ستفعله لتقنعهم بأن "على هذه الأرض ما يستحق الحياة"؟
هذه هي الأسئلة التي ينبغي أن تجيب عنها الدولة، من أجل تسريع إعادة الثقة إلى المغاربة في وطنهم. أما الاتفاق بين السلطات الإسبانية والمغربية من أجل تسريع إعادة الهاربين إلى المغرب، فسيظل أمرا ثانويا أمام هول ما حدث.


